أثار الجدل المتعلق بالسفير السوري في جمهورية مصر العربية نقاشاً سياسياً وإعلامياً واسعاً تجاوز حدود الواقعة ذاتها، ليطرح سؤالاً أكثر أهمية يتعلق بطبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة السورية وطريقة إدارتها لعلاقاتها الخارجية. فالقضية في جوهرها لا تتعلق بشخص السفير بقدر ما تتعلق بفلسفة إدارة العمل الدبلوماسي وحدود الانتقال من منطق الحركة السياسية إلى منطق الدولة.
فالتاريخ يؤكد أن الوصول إلى السلطة ليس هو التحدي الأصعب، بل إن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الوصول إليها. فالحركات السياسية تنجح عادة في الحشد والتعبئة وإدارة الصراع، بينما تقوم الدولة على إدارة المصالح وبناء المؤسسات وصناعة التوازنات. ولهذا واجهت حركات عديدة حول العالم صعوبات كبيرة عند الانتقال من مرحلة النضال إلى مرحلة الحكم(1).
وتقدم التجارب الدولية شواهد واضحة على ذلك. فجنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري نجحت في تحويل شرعيتها السياسية إلى حضور دولي مؤثر عبر بناء مؤسسات قوية وسياسة خارجية واقعية. كما واجهت الجزائر بعد الاستقلال تحدي الانتقال من شرعية الثورة إلى متطلبات الدولة، بينما أدركت الصين منذ سبعينيات القرن الماضي أن تحقيق التنمية الاقتصادية يتطلب إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية والعلاقات الدولية المستقرة على حساب الاعتبارات الأيديولوجية. وتكشف هذه التجارب أن نجاح الحركات السياسية لا يكتمل إلا بقدرتها على بناء مؤسسات دولة قادرة على إدارة المصالح الوطنية بكفاءة وواقعية.
وفي هذا السياق، تُعد الدبلوماسية من أكثر المجالات التي تكشف نجاح هذا الانتقال أو تعثره. فالدبلوماسي لا يمثل حزباً أو تياراً سياسياً، وإنما يمثل الدولة ومصالحها وشعبها. كما أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الانتصار والهزيمة، بل بمنطق المصالح المتبادلة والثقة والحسابات الواقعية.
ولهذا اشترط القانون الدولي موافقة الدولة المستقبلة على اعتماد السفير قبل مباشرته مهامه، فيما يعرف بمبدأ «القبول الدبلوماسي». وقد كرست اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 هذا المبدأ عندما منحت الدولة المستقبلة حق رفض اعتماد أي سفير دون التزام بإبداء الأسباب(2). ولا يعد ذلك إجراءً بروتوكولياً فحسب، بل تجسيداً لمبدأ سيادة الدول والرضا المتبادل الذي تقوم عليه العلاقات الدبلوماسية في القانون الدولي العام(3).
ومن هنا فإن الجدل الذي أثير حول السفير السوري في مصر ينبغي أن يُقرأ من زاوية المصلحة الوطنية لا من زاوية الاعتبارات الشخصية أو الرمزية. فالدولة التي تسعى إلى تعزيز حضورها الإقليمي وإعادة بناء علاقاتها الخارجية تحتاج إلى قدر كبير من الواقعية والمرونة السياسية، وإلى قراءة دقيقة لأولويات الدول الشريكة وحساسياتها السياسية والأمنية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العلاقات المصرية السورية. فالعلاقة بين البلدين تمثل ركيزة مهمة للاستقرار العربي، كما أن تطويرها يخدم مصالح الشعبين في مرحلة تشهد تحديات إقليمية متسارعة. ومن ثم فإن الحفاظ على مسار التقارب والتعاون يجب أن يظل أولوية تتجاوز الاعتبارات الآنية والخلافات العابرة.
وفي النهاية، فإن المواطن السوري لا يقيس نجاح السياسة الخارجية بعدد البيانات أو السجالات السياسية، وإنما بمدى انعكاسها على حياته اليومية؛ في فرص الاستثمار وإعادة الإعمار، وفي الخدمات القنصلية، وفي قدرة بلاده على استعادة مكانتها الطبيعية في محيطها العربي والدولي.
إن التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية السورية اليوم ليس الدفاع عن الأشخاص أو خوض معارك سياسية عابرة، بل بناء مدرسة دبلوماسية حديثة تدرك أن الدولة ليست امتداداً للحركة السياسية، وأن العلاقات الدولية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمصالح والثقة والعمل المؤسسي المستمر. فالدول الناجحة ليست تلك التي تنتصر في السجالات، بل تلك التي تنجح في تحويل حضورها السياسي إلى مصالح ملموسة يشعر بها مواطنوها في حياتهم اليومية.
الهوامش
(1)صامويل هنتنجتون، النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة؛ فرانسيس فوكوياما، بناء الدولة: الحكم والنظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.
(2) اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، المادة الرابعة.
(3) مالكوم شو، القانون الدولي العام، باب العلاقات الدبلوماسية والقنصلية.