تخيل قطعة أرض لا تتجاوز مساحتها 6.8 كيلومتر مربع، لكنها كانت سببًا في نزاع سياسي وقانوني استمر أكثر من ثلاثة قرون، وتنازعت عليها إمبراطوريات كبرى، ولا تزال الأمم المتحدة تتابع ملفها حتى اليوم. هذه القطعة ليست دولة عظمى، ولا تملك حقولًا نفطية أو ثروات معدنية هائلة، وإنما هي جبل طارق؛ صخرة صغيرة تتحكم في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وأصبحت نموذجًا حيًا لتعقيدات القانون الدولي.
يقع جبل طارق عند المدخل الغربي للبحر الأبيض المتوسط، حيث يلتقي المحيط الأطلسي بالمتوسط عند مضيق لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو أربعة عشر كيلومترًا. ومن يسيطر على هذا الموقع يستطيع مراقبة واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، وهو ما منح الجبل أهمية استراتيجية استثنائية منذ آلاف السنين.
ويرتبط اسمه بالقائد المسلم طارق بن زياد، الذي عبر منه إلى الأندلس عام 711م، لتبدأ واحدة من أهم المحطات في التاريخ الإسلامي والأوروبي. وظل الجبل تحت الحكم الإسلامي قرابة سبعة قرون، قبل أن تستعيده مملكة قشتالة عام 1462 خلال حروب الاسترداد.
لكن النزاع المعاصر لم يبدأ في العصور الإسلامية، وإنما خلال حرب الخلافة الإسبانية، إحدى أكبر الحروب الأوروبية في مطلع القرن الثامن عشر. ففي عام 1704 استولت القوات البريطانية والهولندية على جبل طارق، وبعد تسع سنوات فقط أصبح مصيره جزءًا من معاهدة أوترخت لعام 1713، التي لا تزال حتى اليوم تمثل الأساس القانوني الرئيسي لوضع الإقليم.(1)
وتستند المملكة المتحدة إلى المادة العاشرة من معاهدة أوترخت باعتبارها سندًا قانونيًا لسيادتها على جبل طارق، بينما ترى إسبانيا أن التنازل كان محدودًا، ولم يمنح بريطانيا سوى المدينة والقلعة والميناء والتحصينات التابعة لها، دون أن يشمل البرزخ الذي يربط الجبل بالأراضي الإسبانية أو المياه الإقليمية أو المجال الجوي بصورة صريحة. ولذلك ظل تفسير هذه المادة محل خلاف قانوني وسياسي حتى يومنا هذا، ويُعد من أبرز الأمثلة على استمرار تأثير المعاهدات التاريخية في العلاقات الدولية.
ومع إنشاء الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، دخل النزاع مرحلة جديدة، بعدما أُدرج جبل طارق ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، فأصبحت القضية تدور حول تعارض مبدأين من أهم مبادئ القانون الدولي: حق الشعوب في تقرير المصير، الذي تتمسك به المملكة المتحدة وسكان جبل طارق، ومبدأ وحدة أراضي الدولة، الذي تستند إليه إسبانيا للمطالبة باستعادة الإقليم.(2)(3)
وقد عبّر سكان جبل طارق عن موقفهم بوضوح في أكثر من مناسبة. ففي استفتاء عام 1967 رفضوا بأغلبية ساحقة الانتقال إلى السيادة الإسبانية، ثم عادوا عام 2002 لرفض مشروع السيادة المشتركة بين لندن ومدريد بنسبة قاربت الإجماع، وهو ما عزز تمسك بريطانيا بحق تقرير المصير باعتباره العنصر الحاسم في مستقبل الإقليم.
ولا تقتصر أهمية جبل طارق على الجوانب القانونية، بل تمتد إلى أبعاده العسكرية والاقتصادية. فالجبل يمثل قاعدة بحرية متقدمة للمملكة المتحدة، ويؤدي دورًا مهمًا في مراقبة الملاحة البحرية في غرب البحر المتوسط، كما يستخدم في دعم عمليات حلف شمال الأطلسي (الناتو). أما اقتصاديًا، فإن مضيق جبل طارق يشهد سنويًا عبور عشرات الآلاف من السفن التجارية وناقلات النفط والغاز والسفن العسكرية، ولذلك يُطلق عليه كثير من الاستراتيجيين “مفتاح البحر المتوسط”، لأن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.
وأعاد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (Brexit) القضية إلى واجهة الأحداث، بعدما أصبحت الحدود بين جبل طارق وإسبانيا تمثل حدودًا خارجية للاتحاد الأوروبي، وهو ما أثار مخاوف تتعلق بحرية الحركة والتجارة، خاصة أن آلاف العمال يعبرون الحدود يوميًا بين الجانبين.
ولهذا جاء اتفاق يوليو 2026 ليعالج الجوانب العملية دون المساس بجوهر النزاع القانوني، إذ استهدف تسهيل حركة الأشخاص والبضائع، ونقل إجراءات الرقابة المرتبطة بدخول منطقة شنغن إلى المطار والميناء، مع بقاء كل من المملكة المتحدة وإسبانيا متمسكًا بموقفه من مسألة السيادة.(4)
أين يقف المغرب؟
ورغم قربه الجغرافي الشديد، فإن المغرب ليس طرفًا في النزاع على سيادة جبل طارق، لأنه لا يطالب بالإقليم ولم يكن طرفًا في معاهدة أوترخت. ومع ذلك، فإن موقعه على الضفة الجنوبية للمضيق يجعله شريكًا أساسيًا في أمن الملاحة الدولية، خاصة مع وجود ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح أحد أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط وأكثرها نشاطًا، فضلًا عن دوره في حركة التجارة العالمية والهجرة والتعاون الأمني.
كما أن النظام القانوني لمضيق جبل طارق يخضع لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، باعتباره مضيقًا مستخدمًا للملاحة الدولية، وهو ما يضمن استمرار حق المرور العابر للسفن والطائرات وفقًا لقواعد القانون الدولي.(5)
ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار الخلاف بين المغرب وإسبانيا بشأن سبتة ومليلية الواقعتين على الساحل الأفريقي؛ فالمغرب يعتبرهما مدينتين مغربيتين تخضعان للاحتلال الإسباني، بينما تؤكد إسبانيا أنهما جزء لا يتجزأ من أراضيها. ورغم أن هذا النزاع منفصل قانونيًا عن قضية جبل طارق، فإنه يعكس مدى تشابك ملفات السيادة في غرب البحر المتوسط، حيث تتداخل الاعتبارات التاريخية والجغرافية والسياسية والقانونية في آنٍ واحد.
وفي النهاية، يثبت جبل طارق أن القانون الدولي لا يتعامل دائمًا مع الدول الأكبر مساحة أو الأغنى موارد، بل قد تدور أعقد المنازعات حول صخرة صغيرة إذا كانت تتحكم في طريق تمر عبره تجارة العالم. وبعد أكثر من ثلاثة قرون على معاهدة أوترخت، لا يزال هذا الإقليم يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القانون الدولي على التوفيق بين قوة المعاهدات التاريخية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ووحدة أراضي الدول، ومتطلبات الأمن والتعاون الدولي.
وربما يبقى السؤال مفتوحًا لسنوات طويلة: هل تستطيع المعاهدات التي وُقعت قبل أكثر من ثلاثمائة عام أن تحسم السيادة إلى الأبد، أم أن تطور القانون الدولي وإرادة الشعوب قادران على إعادة رسم الخريطة؟ وحتى اليوم، لا تزال الإجابة محل خلاف بين لندن ومدريد، بينما يواصل جبل طارق أداء دوره بوصفه إحدى أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية في العالم.
المراجع
(1) معاهدة أوترخت (Treaty of Utrecht)، 13 يوليو 1713، المادة العاشرة الخاصة بجبل طارق.
(2) الأمم المتحدة، قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي (Non-Self-Governing Territories)، وتشمل جبل طارق.
(3) ميثاق الأمم المتحدة، المادة (1/2)، وقرار الجمعية العامة رقم 1514 (د-15) لسنة 1960 بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
(4) الاتفاق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل ترتيبات جبل طارق، يوليو 2026.
(5) اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، المواد (37–44) الخاصة بالمضائق المستخدمة للملاحة الدولية.