أدب

أبو غزالة… حين يلتقي السلاح بالعقل بقلم د. وليد العزبي

September 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

ليست قيمة الجيوش فيما تمتلكه من دبابات وطائرات وصواريخ، وإنما فيما تمتلكه من عقول قادرة على توظيف تلك القوة في حماية الدولة وصيانة قرارها الوطني. فالحروب قد تُحسم في ساحات القتال، لكن بناء القوة يبدأ بعد أن يسكت هدير المدافع، حين تتحول التجربة إلى عقيدة، والانتصار إلى مؤسسة، والقائد إلى مدرسة تخرّج أجيالًا جديدة من الرجال.

وفي التاريخ العسكري المصري، يبرز اسم المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة باعتباره أحد أبرز القادة الذين جسّدوا هذا المعنى. فقد كان ضابطًا مقاتلًا شارك في أخطر مراحل تاريخ القوات المسلحة المصرية، ثم أصبح وزيرًا للدفاع وقائدًا لمشروع تحديث الجيش في ثمانينيات القرن الماضي، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا؛ أن تمتلك مصر جيشًا حديثًا لا يعتمد على السلاح وحده، بل على العلم والتخطيط والتكنولوجيا.

وُلد أبو غزالة في الثلاثين من يناير عام 1930 بقرية زهور الأمراء بمحافظة البحيرة، ونشأ في بيئة ريفية مصرية غرست فيه قيم الانضباط والاعتماد على النفس. وفي عام 1949 تخرج في الكلية الحربية، لينتمي إلى جيل حمل مسؤولية إعادة بناء الجيش المصري بعد سنوات من الحروب والتحديات الوطنية¹.

اختار سلاح المدفعية، وهو السلاح الذي يصفه العسكريون بأنه “سلاح العلماء”، لما يتطلبه من دقة في الحسابات وفهم لطبيعة الأرض وإدارة النيران. ولم يكتفِ بالتأهيل العسكري التقليدي، بل حرص على استكمال دراساته العسكرية داخل مصر وخارجها، فاطلع على المدارس العسكرية الشرقية والغربية، وهو ما انعكس لاحقًا على أسلوبه في القيادة، إذ كان يؤمن بأن القائد لا ينبغي أن يتوقف عن التعلم مهما بلغت خبرته.

شهد أبو غزالة العدوان الثلاثي، وخدم خلال حرب اليمن، ثم عايش نكسة يونيو 1967 التي مثلت نقطة تحول في الفكر العسكري المصري. ولم تكن الهزيمة بالنسبة إليه نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة البناء. فقد أدرك، كما أدرك جيله، أن استعادة الأرض تبدأ باستعادة الثقة داخل المؤسسة العسكرية، وأن النصر الحقيقي لا يتحقق بكثرة السلاح وحدها، وإنما بحسن إدارته، وبالانضباط، وبالتخطيط العلمي.

وعندما اندلعت حرب السادس من أكتوبر عام 1973، كان أبو غزالة قائدًا لمدفعية الجيش الثاني الميداني. وأسهمت المدفعية المصرية في تنفيذ واحدة من أكبر وأدق عمليات التمهيد النيراني في التاريخ العسكري الحديث، مهدت لعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، في إطار خطة متكاملة وضعتها القيادة العامة للقوات المسلحة. ولم يكن ذلك الإنجاز وليد اللحظة، وإنما ثمرة سنوات طويلة من الإعداد والتدريب والتنسيق بين مختلف الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة².

غير أن القيمة التاريخية لأبي غزالة لا تتوقف عند دوره في الحرب، بل تمتد إلى ما أنجزه في سنوات السلم.

فعندما تولى وزارة الدفاع عام 1981، كانت البيئة الإقليمية والدولية تشهد تغيرات متسارعة في طبيعة الحروب والتكنولوجيا العسكرية. وأدرك أن مستقبل الجيوش لن تحدده أعداد الجنود بقدر ما ستحدده جودة التدريب، وكفاءة القيادة، وامتلاك التكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، تبنى برنامجًا لتحديث القوات المسلحة شمل تطوير منظومات التسليح، ورفع كفاءة التدريب، وتوسيع برامج التأهيل العلمي للضباط، مع دعم الصناعات العسكرية المصرية والسعي إلى توطين التكنولوجيا العسكرية كلما أمكن.

وكان يؤمن بأن الدولة التي تعتمد كليًا على الخارج في توفير احتياجاتها الدفاعية، تظل قدرتها على اتخاذ القرار الاستراتيجي مقيدة باعتبارات لا تملك السيطرة عليها. ولذلك دعا إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية تضمن قدرًا أكبر من الاكتفاء الذاتي، وإلى الاستثمار في العنصر البشري بوصفه حجر الأساس في أي قوة عسكرية.

وقد ارتبطت سنواته الأخيرة في وزارة الدفاع بما عُرف إعلاميًا بقضية “بدر 2000”، وهي القضية التي تناولتها الدراسات باعتبارها محاولة لتطوير القدرات الصاروخية المصرية في ظل ظروف الحرب الباردة، وما تبعها من ضغوط سياسية ودبلوماسية. ولا يزال الباحثون يختلفون في تفسير أثر تلك القضية في إنهاء خدمته وزيرًا للدفاع عام 1989، في ظل غياب رواية رسمية حاسمة تتناول جميع تفاصيلها. ومن ثم، يبقى تناول هذه المرحلة بحاجة إلى قدر من التحفظ والموضوعية بعيدًا عن الجزم بما لم تثبته الوثائق المنشورة³.

ومهما اختلفت التقديرات بشأن بعض الوقائع السياسية، فإن ما يصعب الاختلاف حوله هو الأثر المؤسسي الذي تركه أبو غزالة داخل القوات المسلحة المصرية. فقد كان ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن الجيش القوي هو الذي يبني الإنسان قبل السلاح، ويجعل من العلم أساسًا للقوة، ومن التخطيط سبيلًا إلى النصر.

إن التاريخ لا يخلد الرجال لأنهم تقلدوا المناصب، بل لأنه وجد فيهم أثرًا تجاوز حدود زمنهم. وإذا كان لكل مرحلة رجالها، فإن المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة يظل أحد أبرز القادة العسكريين الذين ارتبط اسمهم بإعادة بناء القوة المصرية، وترسيخ مفهوم أن النصر الحقيقي لا يتحقق في ميدان القتال وحده، وإنما في القدرة على تحويل دروس الحرب إلى مشروع دائم لبناء الدولة وحماية مستقبلها.

لقد رحل أبو غزالة، لكن بقيت الفكرة التي آمن بها؛ أن السلاح يمنح الدولة القدرة على الدفاع، أما العقل فهو الذي يمنحها القدرة على البقاء. وبين السلاح والعقل، كتب هذا القائد صفحةً ستظل حاضرة في تاريخ العسكرية المصرية، تستحق القراءة بعيدًا عن المبالغة، وبعيدًا عن الإنكار، وبالقدر نفسه من الإنصاف الذي يستحقه الرجال الكبار.

الهوامش

  1. محمد عبد الحليم أبو غزالة، مذكرات حرب أكتوبر، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  2. سعد الدين الشاذلي، حرب أكتوبر، مكتبة مدبولي، القاهرة.
  3. محمد عبد الحليم أبو غزالة، أحاديث في العسكرية والأمن القومي، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
المقال التالي ← → المقال السابق