أدب

الواقف على الباب… ليس خصمك بقلم د. وليد العزبي

September 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

بين حين وآخر تطالعنا الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي بمشهد أصبح مؤلمًا في تكراره: مشادة عند بوابة أحد المنتجعات السكنية، أو خلاف أمام مدخل مول تجاري، ثم لا يلبث الأمر أن يتحول إلى إهانة أو اعتداء على أحد أفراد الأمن الإداري.

وغالبًا تبدأ الحكاية من سبب صغير للغاية: بطاقة دخول، تصريح سيارة، انتظار لدقائق، طلب فتح حقيبة، منع دخول شخص غير مصرح له، أو مجرد جملة يقولها فرد الأمن: «هذه هي التعليمات يا فندم».

وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا أمام هذا الرجل الذي يقف على الباب.

هو ليس الذي وضع التعليمات، وليس مالك المكان، ولا رئيس مجلس إدارته، وليس من حقه أن يغير القواعد حتى لو أراد. هو في معظم الأحيان رجل بسيط يقف ساعات طويلة في الحر أو البرد، يؤدي وظيفة محددة، ويعرف أن خطأه في السماح لشخص بالدخول قد يكلفه عمله وربما مصدر رزق أسرة كاملة.

فلماذا نحمله غضبنا من النظام الذي كُلّف بتنفيذه؟

الحارس في التاريخ… موقع مسؤولية لا موضع إهانة

عرف الإنسان منذ أقدم الحضارات أن حراسة الأبواب مسؤولية وليست وظيفة هامشية.

فقد كانت بوابات المدن القديمة من أخطر نقاطها؛ منها يدخل الصديق ومنها قد يتسلل العدو، ولذلك كان الحارس أول خطوط الدفاع عن المدينة.

وفي التراث العسكري القديم، كان الجندي المكلف بالحراسة لا يملك أن يترك موقعه لمجرد أن القادم شخصية مهمة أو صاحب نفوذ؛ لأن الحارس الذي يجامل شخصًا واحدًا قد يعرض مدينة كاملة للخطر.

وتروي لنا كتب التاريخ العسكري أن كلمة المرور والحراسة الليلية كانتا من أكثر الأمور انضباطًا في الجيوش؛ فالضابط والجندي يخضعان عند نقطة الحراسة للإجراء نفسه، لأن قيمة النظام تبدأ تحديدًا عندما لا تكون هناك استثناءات للأقوياء.

وهذه الفكرة لم تتغير كثيرًا بعد آلاف السنين.

ففرد الأمن الذي يطلب بطاقة الدخول في بوابة سكنية لا يقوم بممارسة سلطة شخصية عليك، وإنما يؤدي — في نطاق صغير — الوظيفة نفسها التي عرفتها المدن منذ نشأتها:

من يدخل؟ ولماذا يدخل؟ وهل يملك حق الدخول؟

وقد نغضب منه اليوم لأنه أوقفنا دقيقتين، ثم نشكره غدًا لأنه منع غريبًا من الوصول إلى بيوتنا وأبنائنا.

حين تحترم المجتمعات القاعدة

ومن أكثر الدروس التي تركها التاريخ الأوروبي الحديث وضوحًا أن المجتمعات التي نجحت في بناء مؤسسات قوية لم تبنها فقط بالقوانين، وإنما بفكرة أعمق:

احترام الوظيفة قبل احترام صاحب المنصب.

في الأنظمة المؤسسية الحديثة، يمكن لحارس مبنى حكومي أو موظف بوابة أن يطلب من شخصية رفيعة اتباع الإجراءات دون أن يعتبر ذلك إهانة لها.

بل إن احترام الشخصية العامة لهذه التعليمات هو الذي يرفع مكانتها أمام الناس.

فالنفوذ الحقيقي لا يظهر في قدرة الإنسان على تجاوز القاعدة، وإنما في قدرته على احترامها رغم أنه ربما يستطيع تجاوزها.

وهناك فارق هائل بين أن يقول الإنسان:

«ألا تعرف من أنا؟»

وبين أن يقول:

«أتفهم أنك تؤدي عملك.»

الجملة الأولى تعكس شعورًا بالقوة.

أما الثانية فتعكس قوة حقيقية.

«أنا أنفذ التعليمات»

ربما تكون أكثر جملة يسمعها الناس من أفراد الأمن هي:

«دي التعليمات يا فندم».

وقد تستفز البعض.

لكن فلنتخيل الصورة من الجانب الآخر.

هذا الرجل أمام خيارين:

إما أن ينفذ التعليمات فيغضب منك لخمس دقائق.

أو يخالفها ليرضيك، فإذا وقع حادث كان أول سؤال يوجه إليه:

لماذا سمحت له بالدخول؟

وساعتها لن يجد الشخص الذي طالبه قبل ساعات بتجاوز القواعد إلى جواره.

وسيتحمل هو المسؤولية وحده.

لذلك، عندما تجد فرد الأمن متمسكًا بالتعليمات، فقد يكون في الحقيقة أمينًا على وظيفته أكثر مما هو متعنت معك.

الإنسان الذي وراء الزي

نخطئ أحيانًا عندما نتعامل مع أصحاب بعض الوظائف وكأن الزي الذي يرتدونه أخفى إنسانيتهم.

نرى «حارسًا» ولا نرى أبًا.

نرى «عامل نظافة» ولا نرى أمًا تنتظر عودته.

نرى «موظف بوابة» ولا نرى رجلًا يقف منذ ساعات وربما لم يجلس إلا دقائق.

وخلف كل زي قصة لا نعرفها.

ربما يكون له طفل ينتظر مصروف المدرسة.

ربما يعول والدين مسنين.

ربما يعمل اثنتي عشرة ساعة حتى يحافظ على راتب بالكاد يكفي أسرته.

ثم يأتي شخص في لحظة غضب فيهينه أمام الناس؛ وربما يصوره آخرون بهواتفهم، فتتحول لحظة مذلة عابرة إلى مقطع يتداوله آلاف البشر.

إن أصعب أنواع الظلم ليس دائمًا ذلك الذي يقع بين قويين متكافئين.

بل أحيانًا يكون أقساه عندما يعرف أحد الطرفين أن الطرف الآخر لا يستطيع الرد.

فرد الأمن يعرف أنه إن رد الإهانة قد يفقد عمله.

وإن اشتبك فقد يتهم بالتجاوز.

وإن رفع صوته قيل إنه أساء إلى العميل أو الساكن.

ولهذا فإن ضبط النفس أمامه ليس فقط حسن خلق.

إنه عدل.

حادثة صغيرة تكشف أخلاقًا كبيرة

يقال إن الأخلاق الحقيقية للإنسان لا تظهر في طريقة تعامله مع من يحتاج إليهم، بل مع من يعتقد أنه لا يحتاج إليهم.

من السهل أن نكون لطفاء مع رئيسنا في العمل.

ومن السهل أن نكون مهذبين مع مسؤول كبير.

لكن الاختبار الحقيقي للأخلاق ربما يكون مع:

عامل المطعم.

سائق السيارة.

عامل النظافة.

موظف الاستقبال.

وفرد الأمن الواقف على الباب.

هؤلاء لا يملكون سلطة تمنحنا شيئًا، ولذلك تظهر أمامهم شخصيتنا بلا أقنعة.

وقد عبرت الحضارات المختلفة عن هذه الفكرة بصور متعددة، ولكن جوهرها واحد:

قيمة الإنسان لا يحددها موقعه في السلم الاجتماعي.

الاعتراض حق… والإهانة ليست حقًا

لا يعني ذلك أن فرد الأمن لا يخطئ.

وقد يكون هناك تعنت أو سوء تقدير أو أسلوب غير لائق.

وحينها يصبح الاعتراض حقًا كاملًا.

لكن الحضارة الإنسانية ابتكرت وسائل كثيرة للاعتراض قبل اليد والسباب.

اطلب المشرف.

سجل شكوى.

اتصل بالإدارة.

وثق الواقعة.

استدع الشرطة إذا استلزم الأمر.

لكن لا تحول خلافًا إداريًا إلى معركة كرامة.

فالكرامة لا تُحمى بإهدار كرامة الآخرين.

والقوة لا يثبتها الاعتداء على شخص يعرف أنه مطالب وظيفيًا بعدم الرد عليك.

ربما نحمده يومًا

تخيل أن أحد الغرباء حاول دخول العقار الذي يعيش فيه أبناؤك.

أو حاول شخص مجهول الوصول إلى منزلك.

أو دخلت سيارة لا تحمل تصريحًا واتضح لاحقًا أنها كانت وراء حادث أو جريمة.

في تلك اللحظة ستسأل أول سؤال:

«الأمن كان فين؟»

هذا هو الشخص نفسه الذي غضبت منه بالأمس لأنه طلب بطاقتك.

نريده صارمًا مع الآخرين ومتساهلًا معنا.

وهذه معادلة لا يمكن لأي نظام أمني أن يعمل بها.

الأمن الحقيقي يبدأ حين نقبل أن القاعدة التي تحمي بيوتنا يجب أن تطبق علينا أيضًا.

رسالة إلى كل من يقف على بوابة

إلى كل رجل أمن يقف ساعات طويلة عند بوابة مول أو مستشفى أو شركة أو منتجع سكني:

قد لا يعرف الناس اسمك.

وقد يمر أمامك المئات كل يوم دون أن يسألك أحد كيف حالك.

لكن العمل الذي تؤديه ليس بلا قيمة.

أنت جزء من منظومة تحفظ النظام وتمنح الناس قدرًا من الأمان.

وقد تكون في يوم من الأيام السبب — دون أن يعرف أحد — في منع خطر لم يقع، ولذلك لم يتحدث عنه أحد.

وهذه مفارقة مهنة الأمن:

أفضل نجاحاتها هي الحوادث التي لم تحدث.

كلمة أخيرة

لا تحتاج المجتمعات إلى قوانين جديدة في كل مرة تنتشر فيها واقعة اعتداء.

أحيانًا تحتاج إلى شيء أبسط وأعمق:

قليل من الرحمة.

قبل أن ترفع صوتك على فرد أمن، تذكر أنه يؤدي عمله.

قبل أن تهينه، تذكر أن وراء الزي إنسانًا.

وقبل أن تمد يدك عليه، اسأل نفسك:

هل يستحق خلاف على تصريح دخول أو موقف سيارة أن تكسر بسببه كرامة إنسان؟

عاملوا هؤلاء الرجال بما تحبون أن يعامل الناس به أبناءكم إذا اضطروا يومًا إلى الوقوف في مواقعهم.

فالرحمة ليست ضعفًا.

والاحترام لا ينتقص من الهيبة.

والإنسان الراقي لا تثبت مكانته بأن يجعل من هم أضعف منه يشعرون بصغرهم، بل بأن يجعلهم — ولو بكلمة طيبة — يشعرون أنهم بشر لهم من الكرامة ما لنا جميعًا.

رفقًا بمن يقفون على الأبواب…
فهم لا يقفون في طريقنا، وإنما يقفون — في كثير من الأحيان — لحمايتنا.

المقال التالي ← → المقال السابق