في حياة الأمم لحظات لا تحتاج فيها إلى رئيس يدير شؤونها فحسب، وإنما إلى قائد يستطيع أن يرى أبعد من حدود اللحظة التي يعيشها؛ قائد يدرك ما تمتلكه بلاده من عناصر القوة، ويعرف في الوقت ذاته ما ينقصها، ثم يحول الاثنين إلى مشروع للمستقبل.
وليس كل من يصل إلى قمة السلطة قادرًا على ذلك.
فهناك من يدير الدولة، وهناك من يحافظ عليها، وهناك ــ وهم قلة ــ من يحاول أن ينقلها من موقع تاريخي إلى موقع آخر.
ومن هذه الزاوية تحديدًا أرى الرئيس الصيني شي جين بينغ واحدًا من أكثر قادة عصرنا إثارة للتأمل، وربما أحد أكثرهم إلهامًا.
ليس لأنه يحكم الصين فحسب، ولا لأنها أصبحت في عهده إحدى أعظم قوى العالم؛ فالصعود الصيني بدأ قبل وصوله إلى السلطة بعقود، وأسهمت فيه أجيال متعاقبة من القيادة والعمل والإصلاح.
لكن خصوصية شي تكمن، في تقديري، في شيء آخر:
لقد ورث قوة صينية كانت تتراكم، ثم حاول أن يمنح هذه القوة غاية تاريخية.
وهنا تبدأ قصة الرجل.
من صعود الصين إلى «نهضتها»
لا يمكن فهم شي جين بينغ من خلال أرقام الناتج المحلي أو حجم التجارة الصينية وحدها.
المفتاح الحقيقي لفهم مشروعه هو عبارة تتكرر بصورة لافتة في خطابه السياسي:
«إحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية».
وهي ليست مجرد عبارة إنشائية، بل تكاد تمثل العقيدة السياسية التي يدور حولها مشروعه.
ففي رؤيته، لا تسعى الصين فقط إلى أن تصبح أكثر ثراءً أو تقدمًا، وإنما إلى استعادة مكانة تعتقد أنها تتناسب مع تاريخ حضارة تمتد لآلاف السنين.
وفي مقدمة كتبها شي جين بينغ عام 2022 تحت عنوان «المضي قدمًا بحزم على طريق النهضة»، ربط بوضوح بين التاريخ الصيني الطويل وبين مشروع الدولة الحديثة، واعتبر تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية «أعظم حلم» للشعب الصيني، مشيرًا إلى انتقال الصين تاريخيًا «من الوقوف على القدمين إلى الثراء وصولًا إلى القوة».[1]
والتعبير الأخير يستحق التوقف عنده.
الوقوف… ثم الثراء… ثم القوة.
ثلاث كلمات تكاد تختصر التاريخ السياسي للصين المعاصرة.
مع ماو تسي تونغ استعادت الصين وحدتها وسيادتها ومركز الدولة.
ومع دنغ شياو بينغ بدأت الرحلة الكبرى نحو الإصلاح والانفتاح والثراء.
أما شي جين بينغ، فيبدو أنه يرى المرحلة التي يقودها باعتبارها المرحلة الثالثة:
مرحلة القوة.
ومن هنا يمكن، في تقديري، صياغة الفرق بين دنغ وشي في عبارة واحدة:
دنغ شياو بينغ بنى شروط صعود الصين، أما شي جين بينغ فيحاول أن يحدد الغاية التاريخية من هذا الصعود.
وهذه هي الفكرة المركزية في تجربته.
القائد الذي يفكر بعقود
السياسي العادي يفكر في المشكلة التي أمامه.
ورجل الدولة يفكر في الدولة التي يريد أن يتركها خلفه.
السياسي يسأل: ماذا نفعل هذا العام؟
أما القائد الاستراتيجي فيسأل:
أين ستكون أمتنا بعد ثلاثين عامًا؟
وهذه إحدى السمات اللافتة في خطاب شي جين بينغ.
فالرجل يتحدث بلغة منتصف القرن، والتحديث الشامل، والاستقلال العلمي والتكنولوجي، ونهضة الأمة، وتحديث القوات المسلحة، وتغيير أنماط الإنتاج، وإعادة صياغة موقع الصين في العالم.
إنه يفكر وفق زمن تاريخي طويل.
وهذه ربما إحدى الصفات الأساسية للقادة الملهمين.
فالقائد لا يمنح المجتمع قرارات فقط؛ بل يمنحه اتجاهًا.
والمجتمعات، مثل الأفراد، تحتاج إلى أن تعرف إلى أين تذهب.
تلك اللحظة في موسكو
ولعل واحدًا من أكثر المشاهد اختصارًا لرؤية شي جين بينغ للعالم وقع في موسكو في مارس 2023.
ففي مشهد الوداع الشهير مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحدث شي عن تغيرات لم يشهدها العالم منذ مائة عام، وعن دور البلدين في خضم تلك التحولات.
لكن أهمية العبارة لا تكمن فقط فيما قيل على أبواب الكرملين.
فالفكرة نفسها كانت قد ظهرت قبل ذلك في الخطاب الرسمي للرئيس الصيني. ففي كلمته بمناسبة حلول عام 2023، قال شي إن «وتيرة التغيرات غير المسبوقة منذ مائة سنة» تتسارع، في تعبير واضح عن رؤيته بأن العالم يدخل مرحلة انتقال تاريخي عميقة.[2]
إذن نحن لا نتحدث عن جملة عابرة.
نحن أمام تصور للعالم.
شي يعتقد أن النظام الدولي يمر بعملية إعادة تشكيل؛ فمراكز القوة الاقتصادية والتكنولوجية لم تعد موزعة بالطريقة ذاتها التي عرفها العالم في العقود الماضية.
آسيا استعادت جانبًا كبيرًا من ثقلها الاقتصادي.
الصين والهند تصعدان.
التكنولوجيا تعيد رسم حدود القوة.
دول الجنوب العالمي أصبحت أكثر قدرة على تنويع شراكاتها والمناورة بين القوى الكبرى.
والولايات المتحدة، رغم بقائها القوة الأكثر اكتمالًا في العديد من المجالات، تعمل اليوم في بيئة دولية أكثر تعقيدًا بكثير من العالم الذي أعقب نهاية الحرب الباردة.
هذه هي البيئة التي ينظر إليها شي جين بينغ.
والأهم أنه لا يريد للصين أن تكون مجرد دولة تتكيف معها.
بل يريدها أن تكون أحد صانعيها.
وهنا يظهر الفارق بين قائد ينتظر المستقبل، وقائد يحاول التدخل في تشكيله.
الصين التي لم تعد تريد أن تكون مصنعًا للآخرين
على مدى عقود عرف العالم الصين باعتبارها «مصنع العالم».
مئات الملايين من العمال.
مدن صناعية هائلة.
موانئ لا تتوقف.
وسلع صينية تصل إلى كل مكان تقريبًا على سطح الأرض.
وقد صنعت هذه المنظومة قدرًا هائلًا من الثروة والقوة.
لكن النموذج الذي أوصل الصين إلى هذه المرحلة ليس بالضرورة هو النموذج القادر وحده على حملها إلى المرحلة التالية.
فالدولة التي تصنع بكفاءة منتجات ابتكرها الآخرون تستطيع أن تصبح غنية.
أما الدولة التي تمتلك التكنولوجيا التي سيستخدمها الآخرون، فتمتلك نوعًا مختلفًا من القوة.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الصيني الهائل على الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطاقة الجديدة، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، والفضاء، والاتصالات، والحوسبة، وأشباه الموصلات.
والمثير أن هذه الرؤية لم تتراجع بمرور السنوات.
ففي مطلع عام 2026 عاد شي جين بينغ ليؤكد أن الجولة الجديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية والتحول الصناعي العالمي تتسارع، داعيًا إلى النظر إلى «الصناعات المستقبلية» من ارتفاع استراتيجي يرتبط ببناء دولة قوية وتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية، مع التركيز على التقنيات الجوهرية والبحوث الأساسية والقدرة على التنبؤ بالمسارات التكنولوجية المقبلة.[3]
وهذه نقطة بالغة الأهمية.
فالصين لم تعد تريد أن تكون فقط المكان الذي تُصنع فيه أشياء العالم.
إنها تريد أن تكون من الأماكن التي يُصنع فيها مستقبل العالم.
وهذا تحول أكبر بكثير مما توحي به الأرقام الاقتصادية وحدها.
الحزام والطريق… حين تتحول الجغرافيا إلى نفوذ
وحين طرح شي جين بينغ مشروع «الحزام والطريق»، لم يكن ــ في تقديري ــ يؤسس لمجرد برنامج ضخم للبنية التحتية.
كان يرسم شبكة للمصالح.
طرق.
موانئ.
سكك حديدية.
شبكات طاقة.
مناطق صناعية.
اتصالات.
واستثمارات تمتد عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
قد يبدو كل مشروع منفردًا اقتصاديًا في طبيعته.
لكن عندما توضع المشروعات بجوار بعضها تظهر الصورة الأكبر.
الصين تبني شبكة.
والشبكات أصبحت إحدى أهم لغات القوة في القرن الحادي والعشرين.
فالإمبراطوريات القديمة كانت توسع نفوذها غالبًا بالسيطرة المباشرة على الأرض.
أما القوى الحديثة فتستطيع أن توسع نفوذها كذلك عبر التجارة والاستثمار والتمويل وسلاسل الإمداد والموانئ والبنية الأساسية والتكنولوجيا.
فالطريق لا ينقل البضائع فقط.
إنه ينقل المصالح.
وحين تتشابك المصالح تبدأ السياسة في التحرك خلفها.
وهنا تظهر براعة العقل الاستراتيجي الصيني:
تحويل الاقتصاد إلى جغرافيا، وتحويل الجغرافيا إلى نفوذ.
القوة لا تكتمل بلا القدرة على حمايتها
لكن التاريخ يعلمنا قاعدة يصعب تجاهلها:
القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي.
فحين تصبح لدولة استثمارات عبر القارات، وسفن تعبر المحيطات، ومصادر للطاقة تأتي من آلاف الكيلومترات، وأسواق تعتمد عليها، وتكنولوجيا تخشى فقدانها، يصبح الأمن جزءًا من الاقتصاد نفسه.
ولهذا احتل تحديث جيش التحرير الشعبي موقعًا مركزيًا في عهد شي.
توسعت القدرات البحرية.
وتطورت القوة الصاروخية.
وأصبح الفضاء مجالًا استراتيجيًا.
ودخل الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية بصورة أعمق في التفكير العسكري.
وازداد حضور البحر في الاستراتيجية الصينية.
وهذا تطور مفهوم.
فالصين التاريخية كانت في الأساس قوة قارية.
أما الصين الحديثة فهي اقتصاد عالمي.
وحين يصبح الاقتصاد عالميًا، يصعب على الاستراتيجية أن تظل محلية.
أن تتعلم من الغرب دون أن تصبح نسخة منه
لكن أحد أكثر جوانب التجربة الصينية إلهامًا بالنسبة إليّ لا يتعلق بالجيش أو الاقتصاد.
بل يتعلق بفكرة أبسط وأعمق:
الصين تعلمت من العالم دون أن تقبل الذوبان فيه.
استفادت من الجامعات الغربية.
ومن التكنولوجيا الغربية.
ومن الاستثمار الغربي.
ومن النظام التجاري العالمي.
ومن أدوات الإدارة الحديثة.
وأرسلت أعدادًا ضخمة من طلابها إلى الخارج.
واستقبلت الشركات متعددة الجنسيات.
لكنها لم تقبل الفكرة القائلة إن نهاية طريق التحديث يجب أن تكون بالضرورة التحول إلى نسخة سياسية وثقافية من الغرب.
يمكن الاتفاق أو الاختلاف مع النموذج الصيني.
ويمكن توجيه انتقادات جدية إلى كثير من جوانبه.
لكن الدرس هنا ليس ضرورة تقليد الصين.
الدرس أن التحديث لا يعني التقليد.
وأن الأمة الواثقة من نفسها تستطيع أن تأخذ المعرفة من العالم كله، ثم تعيد تشكيلها وفق احتياجاتها وتاريخها ومصالحها.
وهو درس بالغ الأهمية لدول كثيرة ما زالت تتصور أنها أمام خيارين فقط:
إما رفض الآخر.
أو الذوبان فيه.
أما الصين فاختارت طريقًا ثالثًا:
أن تتعلم منه… ثم تنافسه.
شي ليس دنغ
وهنا نعود إلى المقارنة التي أراها ضرورية لفهم الرجل.
كان دنغ شياو بينغ عبقريًا بطريقته.
لقد أدرك أن الصين لا تستطيع أن تصبح قوة كبرى وهي فقيرة.
فدفع باتجاه تحرير الاقتصاد تدريجيًا، وفتح البلاد للاستثمار والتجارة، ومنح السوق مساحة لم تكن متصورة في الصين الماوية.
كانت المهمة الكبرى:
بناء القوة.
أما شي فجاء والصين تمتلك قدرًا ضخمًا من هذه القوة بالفعل.
فأصبح السؤال:
كيف نستخدمها؟
دنغ أراد أن تتعلم الصين من العالم.
شي يريد أن يصبح لدى الصين أيضًا ما يضطر العالم إلى التعلم منها.
دنغ كان شديد الحذر في إظهار الطموحات الدولية.
أما خطاب شي فأصبح أكثر وضوحًا في الحديث عن النهضة الصينية، وإصلاح الحوكمة العالمية، وتعزيز حضور الصين في صياغة النظام الدولي.
دنغ كان مشغولًا بإخراج الصين من الفقر.
أما شي فيبدو أكثر انشغالًا بالمكان الذي ستحتله الصين في التاريخ.
ولهذا لا أرى شي مجرد استمرار لدنغ.
بل أراه مرحلة جديدة في المشروع الذي أسس دنغ أحد أهم شروطه.
الرئيس الملهم ليس رئيسًا معصومًا
لكن وصف شي جين بينغ بالرئيس الملهم لا يعني تحويله إلى أسطورة.
فالقيادة العظيمة لا تعني العصمة.
والصين تواجه مشكلات حقيقية.
القطاع العقاري تعرض لأزمة ثقيلة.
والسكان يتقدمون في العمر.
ومعدلات المواليد تراجعت.
وتحتاج البلاد إلى إعادة موازنة نموذجها الاقتصادي وتعزيز الطلب والاستهلاك الداخلي.
والمنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة أصبحت شديدة.
والقيود المفروضة على بعض التقنيات المتقدمة أظهرت للصين كيف يمكن للاعتماد على الخارج أن يتحول في لحظة الصراع إلى نقطة ضعف استراتيجية.
كما أن المركزية السياسية المتزايدة في عهد شي تثير أسئلة مشروعة بشأن حدود تركيز السلطة، ومساحة المبادرة، ومدى قدرة أي نظام شديد المركزية على اكتشاف أخطائه وتصحيحها بالسرعة المطلوبة.
وهناك أيضًا انتقادات دولية واسعة للصين في ملفات حقوق الإنسان والحريات وتايوان وبحر الصين الجنوبي.
ولا ينبغي للمقال الجاد أن يتجاهل ذلك.
لكن وجود التحديات لا يلغي سؤالًا آخر يصبح أكثر أهمية عند تقييم القادة تاريخيًا:
هل استطاع هذا الرجل أن يغير الاتجاه الذي تتحرك فيه بلاده؟
وأعتقد أن الإجابة في حالة شي يصعب أن تكون بالنفي.
ما الذي يجعل القائد ملهمًا؟
ليس القائد الملهم هو من ينجح في جعل الناس يصفقون له.
الإلهام أعمق من ذلك.
القائد الملهم هو من يجعل أمة كاملة ترى إمكانية لم تكن تراها في نفسها.
هو الذي يستطيع أن يربط الماضي بالمستقبل.
وأن يحول التاريخ من ذكريات إلى طاقة.
والاقتصاد من وسيلة للثراء إلى أداة للاستقلال.
والتكنولوجيا من منتج يُشترى إلى سيادة يجب امتلاكها.
وأن يجعل المجتمع يفكر في الجيل المقبل، لا في الأزمة المقبلة فقط.
وهذا، في رأيي، هو الجانب الأكثر إثارة في تجربة شي جين بينغ.
فالرجل لم يقدم للصين سياسات فقط.
قدم لها قصة.
قصة تقول:
كنا حضارة عظيمة.
ضعفنا.
نهضنا.
أصبحنا أغنياء.
والآن نريد أن نصبح أقوياء.
قد نختلف مع هذه القصة.
وقد نختلف مع أدواتها.
وقد نختلف حول الثمن الذي تدفعه الصين لتحقيقها.
لكن من الصعب إنكار قوتها في تشكيل الوعي الوطني الصيني وفي تحديد اتجاه الدولة.
رجل يفكر بحجم التاريخ
وعندما أعود إلى مشهد موسكو، أفهم لماذا بدا لي شديد الدلالة.
رئيس دولة يغادر الكرملين ويتحدث عن تغيرات لم يشهدها العالم منذ قرن.
ما الذي يجعل قائدًا يتحدث بهذه اللغة؟
إنها ليست لغة مدير دولة منشغل فقط بأرقام العام المقبل.
إنها لغة رجل يرى نفسه وبلاده داخل حركة تاريخية أوسع.
قد يكون تقديره صائبًا.
وقد يخطئ.
فالتاريخ لم يمنح أحدًا القدرة على رؤية المستقبل كاملًا.
لكن القيادة لا تعني معرفة المستقبل.
القيادة تعني القدرة على رؤية مستقبل محتمل، وإعداد أمتك له قبل أن يصل.
وهذه إحدى أهم خصائص مشروع شي جين بينغ.
إنه لا يريد الانتظار حتى يتشكل العالم الجديد ثم يسأل عن مكان الصين فيه.
بل يحاول منذ الآن أن يصنع للصين ذلك المكان.
شي جين بينغ… الرئيس الملهم
ولهذا أصفه بالرئيس الملهم.
ليس لأن كل قراراته صحيحة.
وليس لأن الصين نموذج يجب على الآخرين نسخه.
وليس لأن تجربة الرجل تخلو من الأخطاء أو التناقضات.
بل لأنه يعيد إلينا معنى أصبح نادرًا في السياسة المعاصرة:
أن القيادة ليست إدارة الحاضر فقط، بل امتلاك تصور للمستقبل.
الرئيس العادي قد ينشغل بموقعه في السلطة.
أما رجل الدولة فينشغل بموقع بلاده في التاريخ.
الرئيس يدير ما ورثه.
أما القائد فيحاول أن يترك لمن يأتي بعده دولة مختلفة عن تلك التي تسلمها.
وشي جين بينغ تسلم قوة بناها من سبقوه.
لكنه لم يكتفِ بإدارتها.
بل طرح السؤال الأصعب:
ماذا نفعل بهذه القوة؟
ومن هذا السؤال خرج مشروع النهضة الصينية، والسعي إلى الاستقلال التكنولوجي، والحزام والطريق، وتحديث القوات المسلحة، والدبلوماسية الأكثر حضورًا، والطموح إلى أن تكون الصين طرفًا في صياغة المستقبل العالمي لا مجرد متلقٍ لقراراته.
ولهذا فإن المؤرخين، حين يكتبون تاريخ النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، قد يختلفون كثيرًا حول شي جين بينغ.
سيختلفون في نجاحاته.
وفي أخطائه.
وفي المركزية السياسية.
وفي الاقتصاد.
وفي علاقته بالولايات المتحدة وروسيا.
وفي تايوان.
وفي نتائج الحزام والطريق.
لكن من الصعب أن يكتبوا قصة عصرنا من دون أن يمنحوه فصلًا أساسيًا فيها.
لأنه ظهر في لحظة كانت الصين فيها قوية، وأراد أن يجعلها تدرك قوتها.
كانت صاعدة، وأراد أن يمنح صعودها غاية.
كانت حاضرة في العالم، وأراد أن يجعلها شريكًا في تحديد شكله.
وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين رئيس يدير دولة… وقائد يحاول أن يترك بصمته على عصر بأكمله.
⸻
المراجع
[1] شي جين بينغ، «المضي قدمًا بحزم على طريق النهضة»، مقدمة «مكتبة النهوض»، النص العربي الكامل المنشور بواسطة وكالة أنباء شينخوا، 27 سبتمبر 2022. ويتضمن النص عرض شي لمفهوم «إحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية» وانتقال الصين «من الوقوف على القدمين إلى الثراء وصولًا إلى القوة».
[2] وزارة خارجية جمهورية الصين الشعبية، «النص الكامل: الرئيس الصيني شي جين بينغ يلقي كلمة تهنئة بمناسبة حلول عام 2023»، النسخة العربية، 1 يناير 2023. وفيها يؤكد شي أن «وتيرة التغيرات غير المسبوقة منذ مائة سنة» تتسارع.
[3] وكالة أنباء شينخوا، «شي جين بينغ: الاستفادة من المزايا النسبية والتمسك بمبدأ إحراز التقدم على أساس الاستقرار لدفع تنمية الصناعات المستقبلية في بلادنا نحو تحقيق اختراقات جديدة باستمرار»، النسخة العربية، 3 فبراير 2026. ويتناول النص بصورة مباشرة ارتباط الصناعات المستقبلية والتقدم التكنولوجي ببناء دولة قوية وتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية