سياسة

اليمن والحوثيون: من تمرد صعدة إلى صراع البحر الأحمر الجزء الأول: الجذور والنشأة — من الحركة الزيدية إلى التمرد المسلح بقلم د. وليد العزبي

September 25, 2026 admin لا توجد تعليقات

لا يمكن فهم الأزمة اليمنية الراهنة، ولا موقع جماعة الحوثيين فيها، بالبدء من لحظة سقوط صنعاء عام ٢٠١٤ وحدها. فالمشهد الذي انتهى بجماعة مسلحة تسيطر على العاصمة وعلى جزء كبير من مؤسسات الدولة بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، داخل بيئة دينية واجتماعية وسياسية شديدة الخصوصية في شمال اليمن.

والعودة إلى تلك الجذور ضرورية لفهم كيف تحولت حركة ذات امتداد محلي في محافظة صعدة إلى أحد أهم الفاعلين في الصراع اليمني، ثم إلى طرف رئيسي في أزمة إقليمية امتدت آثارها لاحقًا إلى البحر الأحمر.

الجذور الزيدية

نشأت الحركة الحوثية في محافظة صعدة شمال اليمن، وهي إحدى أهم المناطق التاريخية للمذهب الزيدي.

والزيدية فرع من الإسلام الشيعي، لكنها تختلف في عدد من المسائل العقائدية والفقهية والسياسية عن الشيعة الاثني عشرية السائدة في إيران والعراق ولبنان، كما توجد بينها وبين بعض المدارس السنية مساحات تقارب فقهية معتبرة.

وقد قامت الإمامة الزيدية في شمال اليمن منذ أواخر القرن التاسع الميلادي، واستمرت بأشكال وامتدادات مختلفة عبر قرون طويلة، إلى أن أطاحت الثورة الجمهورية عام ١٩٦٢ بنظام الإمامة وأُعلنت الجمهورية العربية اليمنية. (١)

غير أن قيام الجمهورية لم يُنهِ الوجود الاجتماعي والديني للزيدية، وإنما أنهى النظام السياسي الذي ارتبط بالإمامة وغيّر بصورة جذرية موازين السلطة في شمال اليمن.

ومع مرور العقود، ظهرت داخل بعض الأوساط الزيدية مخاوف من تراجع حضورها الديني والثقافي، بالتزامن مع توسع تيارات ومدارس سلفية في مناطق من شمال اليمن.

ومن هذه البيئة بدأت تتشكل حركة إحياء ديني وثقافي زيدي، كانت إحدى الحواضن التي خرجت منها الحركة الحوثية لاحقًا.

من «الشباب المؤمن» إلى حسين الحوثي

خلال تسعينيات القرن الماضي برز نشاط عُرف باسم «الشباب المؤمن»، اهتم في بداياته بالتعليم الديني والثقافي وتنظيم الدروس والأنشطة والمعسكرات الصيفية للشباب.

ولم يكن هذا النشاط في بدايته تنظيمًا عسكريًا بالصورة التي عُرفت بها جماعة الحوثيين في المراحل اللاحقة.

ومن البيئة الفكرية والتنظيمية المرتبطة بهذه الحركة برز حسين بدر الدين الحوثي، وهو رجل دين وسياسي ينتمي إلى أسرة زيدية معروفة في صعدة، وسبق أن مارس العمل السياسي وشغل عضوية مجلس النواب اليمني.

ومع الوقت أصبح خطاب حسين الحوثي أكثر صدامًا مع حكومة الرئيس علي عبدالله صالح، كما اتخذ موقفًا شديد المعارضة للسياسة الأمريكية في المنطقة، وانتقد العلاقات الوثيقة بين الحكومة اليمنية وكل من الولايات المتحدة والسعودية.

ومع تصاعد التوتر بين أتباع الحوثي والسلطات، انتقل الخلاف تدريجيًا من المجال السياسي والديني إلى المواجهة المسلحة.

لماذا اصطدم صالح بالحوثيين؟

كان الرئيس علي عبدالله صالح يدير اليمن من خلال شبكة معقدة من التحالفات السياسية والقبلية والعسكرية، في دولة تعاني أصلًا ضعف المؤسسات المركزية وتعدد مراكز النفوذ.

وبدأت السلطات تنظر بصورة متزايدة إلى نشاط حسين الحوثي وأنصاره باعتباره تحديًا لسلطة الدولة في صعدة.

وفي المقابل، اتهم الحوثيون الحكومة بالفساد وإهمال مناطق الشمال والتضييق على الهوية الزيدية، فضلًا عن الارتباط الوثيق بالولايات المتحدة والسعودية.

أما السلطة اليمنية، فقد رأت في تصاعد نفوذ الحركة تهديدًا للنظام الجمهوري، وأبدت مخاوف من أن يحمل صعودها مشروعًا سياسيًا يستلهم تاريخ الإمامة الزيدية.

وقد نفى الحوثيون أن يكون هدفهم المعلن إعادة نظام الإمامة.

ومن هنا لا يبدو دقيقًا اختزال الصراع منذ بدايته في كونه مجرد مواجهة «سنية–شيعية».

فعلي عبدالله صالح نفسه جاء من بيئة زيدية، كما تداخلت في النزاع منذ بدايته عوامل السلطة والمناطق والقبائل والاقتصاد والعلاقة بين المركز والأطراف، إلى جانب العامل الديني والمذهبي.

عام ٢٠٠٤: نقطة التحول

بلغ التوتر ذروته عام ٢٠٠٤، عندما اندلعت أولى المواجهات المسلحة الواسعة بين القوات الحكومية وأنصار حسين الحوثي في محافظة صعدة.

وانتهت الجولة الأولى بمقتل حسين الحوثي في سبتمبر من العام نفسه.

لكن مقتله لم يؤدِ إلى نهاية الحركة.

بل حدث العكس تقريبًا.

فقد أصبح اسم «الحوثيين» أكثر التصاقًا بالجماعة، واستمرت الحركة تحت قيادة شخصيات من أسرة الحوثي، قبل أن يبرز عبدالملك الحوثي لاحقًا بوصفه قائدها الرئيسي.

ومنذ تلك اللحظة دخل شمال اليمن مرحلة من الصراع المتكرر بين الحكومة والحركة الحوثية.

حروب صعدة الست

بين عامي ٢٠٠٤ و٢٠١٠ شهد شمال اليمن ست جولات رئيسية من القتال بين الحكومة والحوثيين، عُرفت باسم حروب صعدة الست. (١)

كانت السلطات في كل جولة تسعى إلى احتواء الحركة أو إنهاء تمردها عسكريًا، لكن النتائج على المدى الطويل جاءت أكثر تعقيدًا.

فمع توالي جولات الحرب راكم الحوثيون خبرة قتالية وتنظيمية متزايدة، واتسعت قدرتهم على خوض حرب غير نظامية في البيئة الجبلية لصعدة، كما توسعت شبكات نفوذهم وتحالفاتهم المحلية.

وفي المقابل تعرضت مناطق الشمال لسنوات من القتال والنزوح وتراجع النشاط الاقتصادي وضعف الخدمات.

وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات التاريخ اليمني الحديث:

الدولة دخلت الحرب بهدف القضاء على التمرد الحوثي، لكن سنوات الحرب نفسها ساهمت في تحويل الحركة إلى قوة أكثر خبرة وتنظيمًا وصلابة.

وبحلول نهاية حروب صعدة عام ٢٠١٠، لم يعد الحوثيون مجرد دائرة محدودة من أتباع حسين الحوثي، وإنما أصبحوا فاعلًا مسلحًا واجتماعيًا مهمًا في شمال اليمن.

السعودية تدخل المواجهة

لم يبق الصراع داخل الحدود اليمنية بالكامل.

فخلال الجولة السادسة من الحرب عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٠ امتدت المواجهات إلى المنطقة الحدودية مع المملكة العربية السعودية، ودخلت القوات السعودية في قتال مباشر مع الحوثيين. (١)

وبذلك فإن الصدام المباشر بين السعودية والحوثيين لم يبدأ مع التدخل العسكري الكبير في مارس ٢٠١٥، وإنما سبقه اشتباك مباشر قبل ذلك بعدة سنوات.

لكن تلك المواجهة الحدودية ظلت محدودة مقارنة بما سيأتي لاحقًا.

هل كانت إيران وراء الحوثيين منذ البداية؟

هذه من أكثر نقاط التاريخ الحوثي حاجة إلى الدقة.

نشأة الحركة كانت يمنية ومحلية في الأساس، وارتبطت بصعدة والبيئة الزيدية والصراع مع الدولة المركزية.

ولذلك فإن اختزال القصة في القول إن إيران «أنشأت الحوثيين» لا يعكس بصورة دقيقة الظروف التي ولدت فيها الحركة.

وفي مراحلها الأولى كانت العوامل الداخلية — الدينية والسياسية والاجتماعية والقبلية — أكثر أهمية في تفسير نشأتها ومسارها.

لكن ذلك لا يعني تجاهل ما حدث لاحقًا.

فمع تطور الصراع اليمني وتحوله إلى مواجهة إقليمية، تعمقت علاقة الحوثيين بإيران، وأصبح الدعم الإيراني السياسي والعسكري والتقني عنصرًا متزايد الأهمية في مسار الجماعة. (١)

ومن ثم ينبغي التمييز بين أمرين:

الجذور اليمنية المحلية للحركة الحوثية من ناحية، والتطور اللاحق لعلاقتها بإيران من ناحية أخرى.

فإسقاط شكل العلاقة الذي ظهر في المراحل اللاحقة على لحظة النشأة يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لتاريخ الحركة.

لماذا لم تستطع الدولة إنهاء الحركة؟

لم تكن المشكلة عسكرية فقط.

فالحكومة اليمنية واجهت الحوثيين بالسلاح، لكنها لم تتمكن في الوقت نفسه من معالجة مجمل الظروف التي غذت الصراع: ضعف التنمية، وهشاشة مؤسسات الدولة، والتنافس القبلي والسياسي، ومشكلات العلاقة بين المركز والأطراف، والانقسامات داخل النظام نفسه.

كما أدت سنوات القتال إلى سقوط ضحايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان وتضرر مناطق واسعة في الشمال.

وبمرور الوقت أصبحت الحرب ذاتها جزءًا من البيئة التي سمحت للحركة بالنمو.

لكن الحوثيين، رغم ذلك كله، ظلوا حتى عام ٢٠١٠ في الأساس قوة تتمركز في شمال اليمن.

لم يكونوا يسيطرون على صنعاء.

ولم يكونوا يديرون مؤسسات الدولة.

ولم يكونوا القوة الرئيسية في السياسة اليمنية.

ثم جاءت اللحظة التي غيرت قواعد اللعبة بالكامل.

عام ٢٠١١: الدولة تدخل مرحلة الانقسام

في عام ٢٠١١ اندلعت احتجاجات واسعة ضد الرئيس علي عبدالله صالح ضمن موجة الانتفاضات العربية التي اجتاحت عددًا من دول المنطقة.

ودخل النظام اليمني في أزمة عميقة.

انقسمت مراكز القوة داخل الدولة والجيش، وتصاعدت الاحتجاجات، وانتهى الأمر بخروج صالح من الرئاسة في إطار المبادرة الخليجية وانتقال السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي.

لكن خروج صالح من القصر الرئاسي لم يكن يعني انتهاء نفوذه.

فالرئيس السابق ظل يمتلك شبكة واسعة من العلاقات والتأثير داخل حزب المؤتمر الشعبي العام وأجزاء من المؤسسة العسكرية والأمنية والقبلية.

وفي الوقت نفسه كان الحوثيون يستفيدون من ضعف الدولة والانقسامات التي صاحبت المرحلة الانتقالية. (٣)

وهنا بدأت واحدة من أكثر المفارقات إثارة في التاريخ اليمني المعاصر.

الحركة التي خاضت ست حروب ضد نظام علي عبدالله صالح ستجد نفسها، بعد خروجه من الحكم، تلتقي معه في تحالف مصالح ضد خصوم مشتركين.

من عمران إلى صنعاء

شهد عام ٢٠١٤ تحولًا جذريًا في ميزان القوة.

ففي يوليو سيطر الحوثيون على عمران، ثم واصلوا تقدمهم باتجاه العاصمة.

وفي ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ دخل الحوثيون صنعاء وسيطروا على عدد من مؤسسات الدولة الرئيسية. (٢)

ويشير تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن إلى أن أحداث عمران وسقوط صنعاء شكلا تحولًا حاسمًا في المشهد السياسي والأمني اليمني، كما تناول التقرير الدور الذي لعبته شبكات وقوى مرتبطة بالرئيس السابق علي عبدالله صالح خلال هذه المرحلة. (٢)

وهكذا لم يعد الحوثيون مجرد قوة متمركزة في أقصى شمال اليمن.

خلال سنوات قليلة، انتقلت الحركة من صعدة إلى قلب العاصمة.

لكن السؤال الأهم يبقى:

كيف استطاع علي عبدالله صالح، الذي خاض ست حروب ضد الحوثيين، أن يصبح حليفًا لهم؟

وماذا أراد كل طرف من الآخر؟

وكيف ساعد تحالف الخصمين السابقين في إعادة رسم موازين القوة داخل اليمن؟

وكيف انتهى هذا التحالف نفسه بعد سنوات قليلة إلى مواجهة دامية بين الطرفين؟

هذه هي قصة المرحلة التالية.

يتبع…

الجزء الثاني:

تحالف الأعداء — كيف اجتمع الحوثيون وعلي عبدالله صالح على طريق إسقاط خصومهما؟

المراجع

(١) خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي:
تقرير «اليمن: الحرب الأهلية والتدخل الإقليمي»، ويتناول الخلفية التاريخية للحركة الحوثية، والجذور الزيدية، وحروب صعدة، والتدخل السعودي، وتطور العلاقة بين الحوثيين وإيران.

(٢) مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – فريق الخبراء المعني باليمن:
التقرير النهائي لفريق الخبراء المنشأ عملًا بقرار مجلس الأمن رقم ٢١٤٠ لسنة ٢٠١٤، الصادر في ٢٠ فبراير ٢٠١٥.

(٣) الأمم المتحدة – إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام:
«اليمن: خلفية العملية السياسية والمرحلة الانتقالية وتطور الصراع»، ويتناول المرحلة الانتقالية بعد عام ٢٠١١، ومؤتمر الحوار الوطني، وتطور الأحداث التي سبقت سيطرة الحوثيين على صنعاء.

المقال التالي ← → المقال السابق