بقلم: د. وليد العزبي
لم يعد الجدل المثار حول حوادث الطرق في مصر يدور حول ندرة النصوص أو ضعف العقوبات، بقدر ما انتقل – على نحو أعمق – إلى مساءلة فلسفة التجريم ذاتها. فالسؤال الجوهري لم يعد مقتصرًا على مدى جسامة العقوبة أو قدرتها على الردع، وإنما أصبح يتعلق بتوقيت تدخل القانون الجنائي وحدوده:
هل يتدخل القانون فقط بعد تحقق النتيجة المأساوية؟
أم يمتد تدخله إلى لحظة خلق الخطر ذاته؟
وفي هذا السياق، برزت مشروعات التعديلات المقترحة على قانون المرور المصري متجهة إلى تشديد العقوبات وتوسيع أدوات الردع، سواء من خلال رفع الغرامات أو تعزيز نظم الجزاء، كأنظمة النقاط وسحب الرخص. غير أن هذه المشروعات – رغم أهميتها – لا تزال، في جوهرها، تتحرك داخل منطق المخالفة والجزاء المرتبط بالسلوك أو بالنتيجة، دون أن ترتقي بعد إلى بناء نموذج متكامل لتجريم الخطر الجسيم بوصفه جريمة مستقلة قائمة بذاتها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة طرح سؤال فلسفي وقانوني مركزي:
هل يمكن – أو ينبغي – أن يتجه التجريم المروري في مصر نحو تبني جرائم تعريض الغير للخطر، باعتبارها مدخلًا حديثًا لإعادة بناء الحماية الجنائية على الطريق؟
أولًا: من منطق الضرر إلى منطق الخطر
يقوم البناء التقليدي للجريمة في الفكر الجنائي الكلاسيكي على معادلة مستقرة مفادها أن الجريمة لا تقوم إلا بتوافر سلوك غير مشروع، ونتيجة ضارة، ورابطة سببية تربط بينهما¹. وقد هيمن هذا المنطق طويلًا على التشريعات الجنائية، باعتباره التعبير الأمثل عن مبدأ الشرعية الجنائية وضمانات الحرية الفردية.
غير أن هذا البناء، على صلابته النظرية، بات قاصرًا عن مواكبة أنشطة حديثة تُنتج الخطر قبل أن تُنتج الضرر، وفي مقدمتها النشاط المروري، الذي يتسم بطابع جماعي وديناميكي عالي الخطورة. فالطريق العام ليس فضاءً محايدًا، بل مجال تتقاطع فيه قرارات فردية قد تتحول – في لحظات – إلى كوارث جماعية.
وانتظار تحقق النتيجة المتمثلة في وفاة أو إصابة جسيمة كي يتحرك القانون، ينطوي على قبول ضمني بمنطق المقامرة بحياة الآخرين، وهو منطق تجاوزته – في تقدير جانب معتبر من الفقه الجنائي الحديث – فلسفات التجريم المعاصرة². ومن ثمّ، ظهر اتجاه تشريعي وفقهي يعيد تعريف العدوان الجنائي، بحيث لا ينحصر في إحداث الضرر، بل يمتد إلى خلق خطر جسيم وغير مبرر على حق محمي، وعلى رأسه الحق في الحياة والسلامة الجسدية³.
وفي هذا الإطار، لم يعد الخطر مرحلة تمهيدية محايدة، بل أصبح – متى بلغ حد الجسامة والمباشرة – سلوكًا عدوانيًا قائمًا بذاته، يبرر تدخل القانون الجنائي قبل وقوع النتيجة، لا بعدها.
ثانيًا: النموذج الفرنسي… الخطر كجريمة مستقلة
يُعد القانون الجنائي الفرنسي من أكثر النماذج وضوحًا في تبني فلسفة تجريم الخطر، إذ أقر جريمة مستقلة تقوم على تعريض الغير لخطر مباشر من شأنه إحداث وفاة أو إصابة جسيمة، دون اشتراط تحقق النتيجة. وقد أحاط المشرّع الفرنسي هذا التجريم بضمانات دقيقة، استقر عليها الفقه والقضاء، من أبرزها:
وجود خطر حقيقي ومباشر، وانتهاك التزام قانوني خاص بالأمان أو الحيطة، وتوافر العلم بالخطر أو التوقع الجدي له⁴.
وقد أبرز الفقه الجنائي الفرنسي، وعلى رأسه جان برادل، أن هذا التحول يعكس انتقال القانون الجنائي من منطق العقاب على ما وقع إلى منطق الوقاية مما قد يقع، دون مساس بجوهر مبدأ الشرعية الجنائية⁵. كما أشار برنار بوللوك إلى أن الأنشطة ذات الطابع الجماعي – وعلى رأسها المجال المروري – تمثل التطبيق الأوضح لجرائم الخطر، نظرًا لما تنطوي عليه من مجازفات واعية وغير مبررة بحياة الغير⁶.
وبهذا المعنى، لم يعد القانون الجنائي مجرد أداة رد فعل، بل أصبح أداة وقاية تشريعية تتدخل عند لحظة التهديد، لا عند لحظة الانهيار.
ثالثًا: نحو إعادة ضبط فلسفة التجريم المروري في مصر
لا تكمن الإشكالية الحقيقية في التجريم المروري المصري في مقدار العقوبة، بل في توقيت تدخلها. فالتشديد العقابي، مهما بلغ، يظل محدود الأثر إذا ظل مرتبطًا بتحقق النتيجة، لا بخلق الخطر. وهو ما يفسر محدودية الأثر الوقائي لبعض السياسات العقابية، رغم قسوتها الظاهرة.
ومع ذلك، فإن الانتقال إلى منطق تجريم الخطر لا يصطدم – من حيث المبدأ – بالبنية الدستورية أو الجنائية للنظام القانوني المصري. فالتشريع الجنائي المصري يعرف بالفعل صورًا متعددة من جرائم الخطر، وهو ما استقر عليه الفقه الجنائي المصري عند تمييزه بين جرائم الضرر وجرائم الخطر، معتبرًا أن العبرة في الأخيرة ليست بإصابة الحق، بل بتهديده تهديدًا جسيمًا⁷. كما اشترط هذا الفقه – ضمانًا للشرعية – أن يكون الخطر حقيقيًا ومباشرًا، وأن يرتبط بانتهاك واجب قانوني محدد⁸.
وعليه، فإن إدماج فلسفة تعريض الغير للخطر في المجال المروري لا يُعد خروجًا على المنطق الجنائي المصري، بل يمثل توسعًا واعيًا ومدروسًا لدائرة الحماية الجنائية في مجال تتسم مخاطره بطابع جماعي ودائم. غير أن هذا الإدماج يفترض صياغة دقيقة ومنضبطة، تُجرِّم فقط السلوكيات التي تُنشئ خطرًا جسيمًا ومباشرًا، ويكون الفاعل مدركًا لطبيعة المخاطر التي يخلقها أو متوقعًا لها على نحو جدي⁹.
ومع التأكيد على أن تجريم الخطر لا يجوز أن يتحول إلى تجريم افتراضي أو احتمالي، بل يجب أن يظل منضبطًا بمعايير الخطر الجسيم والمباشر، ضمانًا لعدم المساس بمبدأ الشرعية الجنائية والحرية الفردية.
إن جوهر هذا التحول لا يتمثل في مزيد من التشديد العقابي، بل في إعادة ترتيب لحظة تدخل القانون. فالقانون الذي لا يتحرك إلا بعد سقوط الضحية يظل قانونًا لاحقًا للمأساة، أما القانون الذي يتدخل عند لحظة خلق الخطر الجسيم، فيمارس وظيفته الوقائية في أسمى صورها¹⁰.
الهوامش
1. د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، صـ 85 وما بعدها، في بيانه للبناء التقليدي للجريمة وعناصرها الأساسية.
2. د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، صـ 60–62، في إطار تحليله النقدي لحدود الاكتفاء بتحقق النتيجة في السياسة الجنائية.
3. د. محمود نجيب حسني، المرجع السابق، صـ 210–218، بشأن تمييزه بين جرائم الضرر وجرائم الخطر وأثر ذلك على نطاق الحماية الجنائية.
4. جان برادل، القانون الجنائي العام، ترجمة د. علي عبد القادر القهوجي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، صـ 295–305، وذلك في سياق تحليله العام لجرائم تعريض الغير للخطر في التشريع الجنائي الفرنسي.
5. المرجع السابق، صـ 302، حول توافق تجريم الخطر مع مبدأ الشرعية الجنائية.
6. برنار بوللوك، القانون الجنائي العام، ترجمة د. محمود نجيب حسني، دار النهضة العربية، القاهرة، صـ 280–288، في إطار عرضه لتطبيقات جرائم الخطر في الأنشطة ذات الطابع الجماعي، ومنها المجال المروري.
7. د. علي عبد القادر القهوجي، مبادئ قانون العقوبات – القسم العام، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، صـ 233–241، في تمييزه بين جرائم الضرر وجرائم الخطر.
8. د. أحمد فتحي سرور، المرجع السابق، صـ 165–170، بشأن الضوابط اللازمة لتجريم الخطر ضمانًا لمبدأ الشرعية الجنائية.
9. د. محمود نجيب حسني، المرجع السابق، صـ 219–222، في حديثه عن شرط الجسامة والمباشرة في جرائم الخطر.
10. د. أحمد فتحي سرور، السياسة الجنائية المعاصرة، دار النهضة العربية، القاهرة، صـ 92–95، في إطار تحليله لوظيفة الوقاية في تدخل القانون الجنائي الحديث.