قانون

القانون أم الأخلاق؟ بقلم د. وليد العزبي

September 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

داخل أحد المتاجر الأوروبية، وفي ذروة موجة الحر التي اجتاحت القارة هذا الصيف، ارتفعت الأصوات فجأة، وتحولت منافسة عادية على شراء آخر أجهزة التكييف والمراوح إلى مشادات حادة وتدافع بين المتسوقين. وفي مدن أخرى، امتدت الطوابير لساعات طويلة أمام المتاجر، بينما انتشرت صور الرفوف الفارغة، وارتفعت حدة التوتر مع ازدياد الطلب وتناقص المعروض.

قد تبدو هذه المشاهد استثنائية، لكنها في حقيقتها ليست سوى لحظات تكشف جانبًا خفيًا من الطبيعة الإنسانية. فالأزمات كانت دائمًا المرآة التي تنكشف فيها حقيقة المجتمعات؛ إذ تتراجع فيها الشعارات، ويظهر المعدن الحقيقي للأفراد، وتتحدد قيمة المبادئ عندما تصبح في مواجهة المصالح.

فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تُقاس بما تبنيه في سنوات الرخاء، وإنما بما تحافظ عليه عندما تواجه الشدائد. ففي الأيام العادية، يبدو احترام القانون أمرًا طبيعيًا، ويبدو النظام جزءًا من الحياة اليومية، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يختفي الشعور بالأمان، أو تقل الموارد، أو يصبح تحقيق المصلحة الشخصية على حساب الآخرين أمرًا ممكنًا.

وقد كشفت جائحة كورونا هذه الحقيقة بوضوح. فإلى جانب صور التكافل الإنساني والتطوع والتضامن، شهد العالم أيضًا مشاهد التدافع على السلع الأساسية، والتخزين المفرط، والاحتكار، وحتى الاعتداءات داخل المتاجر في بعض أكثر الدول تقدمًا. ثم جاءت موجات الحر القياسية، وتعطل بعض وسائل النقل، وأزمات الطاقة، لتعيد طرح السؤال ذاته بصورة أكثر إلحاحًا:

هل الذي يحكم المجتمعات الحديثة هو الأخلاق، أم القانون؟

هذا السؤال ليس وليد اللحظة، بل شغل عقول الفلاسفة منذ قرون.

فقد رأى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز أن الإنسان إذا غاب سلطان الدولة عاد إلى ما سماه “حرب الجميع ضد الجميع”، حيث تصبح الحياة ـ على حد وصفه ـ “منعزلة، فقيرة، قذرة، وحشية، وقصيرة”. ولذلك اعتبر أن القانون والدولة ليسا مجرد تنظيم سياسي، بل ضرورة لحماية المجتمع من نزعات الإنسان عندما تنفلت من القيود.

وعلى النقيض، رأى جان جاك روسو أن الإنسان يولد خيرًا بطبيعته، وأن المجتمع هو الذي يفسده، بينما اتخذ جون لوك موقفًا أكثر توازنًا، فاعتبر أن الإنسان قادر على احترام قانون طبيعي يقوم على صون حقوق الآخرين، حتى قبل قيام الدولة.

أما إيمانويل كانط، فقد نقل النقاش إلى مستوى أعمق؛ إذ فرّق بين شخص يمتنع عن السرقة خوفًا من العقوبة، وآخر يمتنع عنها لأن ضميره يرفضها. الأول يطيع القانون، أما الثاني فيطيع الواجب الأخلاقي. وفي نظر كانط، لا تتحقق الكرامة الإنسانية إلا عندما يكون السلوك الأخلاقي نابعًا من اقتناع داخلي، لا من الخوف من الجزاء.

وقبل هؤلاء جميعًا، كتب أرسطو في الأخلاق النيقوماخية أن الفضيلة ليست فكرة تُحفظ، بل عادة تُكتسب بالتكرار حتى تصبح جزءًا من شخصية الإنسان؛ فالمجتمعات لا تبنيها النصوص وحدها، وإنما يبنيها الإنسان الذي يحمل تلك النصوص في سلوكه اليومي.

ولخص مونتسكيو هذه الحقيقة عندما أكد أن القوانين، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها أن تحفظ الدولة إذا فقد المجتمع فضيلته، لأن كل نظام سياسي يحتاج إلى منظومة أخلاقية تمنحه الحياة والاستمرار.

ولم يكن الفكر الإسلامي بعيدًا عن هذا التصور، بل جعله أساسًا لبناء الحضارة. فقد قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق.» فجعل الأخلاق غاية الرسالة، لا مجرد مظهر من مظاهرها. وقال عبد الله بن المبارك: “نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.” كما لاحظ ابن خلدون أن الدول لا تسقط غالبًا بسبب نقص القوانين، وإنما عندما تتآكل القيم الجامعة التي تمنح المجتمع تماسكه.

ومن هنا، تبدو الأزمات امتحانًا للأخلاق قبل أن تكون امتحانًا للقانون.

ففي الظروف الطبيعية، قد يبدو الجميع ملتزمين بالنظام لأن الكاميرات موجودة، والشرطة حاضرة، والعقوبة متوقعة. أما عندما تضيق الموارد، أو تنقطع الخدمات، أو ينتشر الخوف، فإن السؤال الحقيقي يظهر بوضوح: هل سيظل الإنسان ملتزمًا إذا غابت الرقابة؟ وهل يمنعه ضميره قبل أن يمنعه القانون؟

إن الحضارة ليست عدد القوانين التي تصدرها البرلمانات، ولا ارتفاع الأبراج، ولا سرعة القطارات، ولا حجم الناتج المحلي. فكل هذه منجزات مادية قد تهتز في أيام قليلة إذا اهتز الإنسان الذي يقف خلفها.

ولهذا يرى المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي أن انهيار الحضارات يبدأ غالبًا من داخلها قبل أن يأتيها من الخارج؛ إذ يسبق تآكلُ القيم ضعفَ المؤسسات. فالقوة العسكرية قد تحمي الحدود، والقانون قد يحفظ النظام، لكن الأخلاق وحدها هي التي تحمي المجتمع من نفسه.

فالقانون يضبط السلوك الظاهر، أما الأخلاق فتضبط الإرادة. القانون يعاقب الجريمة بعد وقوعها، أما الأخلاق فتمنعها قبل أن تولد. القانون يحتاج إلى شرطي وقاضٍ ومحكمة، أما الأخلاق فتحتاج إلى ضمير حي يراقب صاحبه حتى في غياب الجميع.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: أيهما أهم، القانون أم الأخلاق؟ بل: هل يستطيع أحدهما أن يؤدي رسالته كاملة دون الآخر؟

والإجابة التي تؤكدها التجربة الإنسانية، من أثينا إلى روما، ومن بغداد إلى لندن، ومن القاهرة إلى أوتاوا، هي أن القانون بلا أخلاق قد يتحول إلى آلة جامدة تحفظ النظام لكنها لا تبني الإنسان، وأن الأخلاق بلا قانون قد تبقى فضائل فردية عاجزة عن حماية المجتمع من المعتدين.

إن الحضارة الحقيقية تبدأ عندما يصبح القانون هو الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه، وتصبح الأخلاق هي السقف الأعلى الذي يسعى إليه الإنسان بإرادته الحرة. فالقانون يصنع النظام، أما الأخلاق فتصنع الإنسان، ولا تستقر أمة إذا انفصل أحدهما عن الآخر.

وفي النهاية، يبقى الدرس الذي كرره التاريخ في كل عصر: إن الأزمات لا تكشف قوة القوانين بقدر ما تكشف قوة الضمائر. فالقوانين تُكتب في الدساتير، أما الأخلاق فتُكتب في النفوس، وإذا ضعفت الثانية، فلن تستطيع الأولى، مهما بلغت دقتها، أن تنقذ الأمم.

المقال التالي ← → المقال السابق