إذا كان السؤال الذي أثاره «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان هو: لماذا غابت مصر عن النواة الأولى؟ فإن السؤال الأكثر أهمية الآن هو: كيف يمكن لمصر أن تدخل إذا رأت أن الانضمام يخدم مصالحها؟
المسألة ليست إضافة مقعد رابع إلى المائدة، ولا صورة تجمع أربعة قادة بدلًا من ثلاثة. اتفاقات الدفاع المشترك ترتب التزامات قد تصل، في لحظة أزمة، إلى استخدام القوة.
ولهذا فإن مصر، إذا قررت الدخول، لا ينبغي أن تدخل باعتبارها عضوًا جديدًا يقبل ما اتفق عليه الآخرون، وإنما باعتبارها قوة إقليمية يؤدي دخولها إلى إعادة تأسيس الاتفاق نفسه.
فمصر لا تدخل بحثًا عن مظلة تحتمي بها. إنها تدخل بجيش كبير، وموقع استراتيجي استثنائي، وقناة السويس، وحضور في البحرين الأحمر والمتوسط، وثقل عربي وإفريقي.
ومن هنا، فإن الموقف المصري يمكن بناؤه حول سبع قواعد واضحة.
1 ـ لا انضمام قبل معرفة الاتفاق كاملًا
البداية يجب أن تكون من النص، لا من العناوين السياسية.
قبل اتخاذ أي قرار، تحتاج القاهرة إلى دراسة الاتفاق كاملًا: ما تعريف الهجوم المسلح؟ ومن يقرر وقوعه؟ وهل يشمل الهجوم على قوات دولة عضو خارج أراضيها؟ وماذا عن الجماعات المسلحة؟ وهل تمتد الالتزامات إلى الأقاليم المتنازع عليها؟
هذه ليست تفاصيل قانونية صغيرة، لأنها هي التي تحدد متى يمكن أن تجد مصر نفسها مطالبة بالتحرك العسكري.
وعلى سبيل المثال، لا ينبغي أن يؤدي اشتباك مرتبط بكشمير تلقائيًا إلى التزام عسكري مصري، كما لا ينبغي أن تتحمل الدول الأربع بصورة آلية نتائج عملية عسكرية خارجية قررتها دولة عضو منفردة.
القاعدة هنا بسيطة:
ندافع عن الحليف إذا تعرض للعدوان، لكننا لا نرث كل حروبه عندما يصبح حليفًا.
وهذا هو الفارق بين تحالف للدفاع المشترك وتحالف يسمح لكل دولة بأن تضع أزماتها الوطنية على مائدة الآخرين.
2 ـ الدستور المصري فوق أي آلية عسكرية مشتركة
ثاني الضمانات تتعلق بمن يمتلك قرار الحرب.
الدستور المصري يضع إجراءات خاصة لمعاهدات التحالف، كما يضع قيودًا واضحة على إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة.
ولذلك لا ينبغي أن تسمح مصر بأي صياغة تجعل وقوع الاعتداء على دولة عضو كافيًا لتحريك القوات المصرية تلقائيًا.
يمكن أن يكون هناك التزام بالتضامن والدفاع والمساعدة، لكن شكل المساهمة المصرية يجب أن يبقى قرارًا مصريًا.
قد تكون المساعدة دفاعًا جويًا، أو دعمًا بحريًا، أو معلومات استخباراتية، أو إسنادًا لوجستيًا، وقد تصل في ظروف معينة إلى المشاركة العسكرية المباشرة.
لكن الانتقال من الالتزام السياسي إلى استخدام الجيش يجب أن يمر دائمًا عبر المؤسسات الدستورية المصرية.
فالتحالف يمكن أن يحدد الخطر المشترك، لكنه لا ينبغي أن يمتلك مفتاح تحريك الجيش المصري.
3 ـ لا حرب بقرار الأغلبية
هذه نتيجة طبيعية للنقطة السابقة.
يمكن اتخاذ القرارات الإدارية والمالية داخل الرباعية بالأغلبية، لكن القرارات المتعلقة بالحرب، ونشر القوات، وإنشاء القواعد، وتحديد دولة باعتبارها مصدر تهديد يجب أن تصدر بالإجماع.
فليس منطقيًا أن تتمكن ثلاث دول من إلزام الرابعة بحرب تعارضها.
والأهم هو الفصل بين أمرين: تفعيل الاتفاق، وطبيعة المشاركة.
قد تتفق الدول الأربع على أن السعودية أو تركيا أو باكستان أو مصر تعرضت لعدوان يوجب التضامن، لكن ذلك لا يعني أن تقدم الدول الأربع النوع نفسه من المساعدة.
كل دولة تسهم بما يتناسب مع قدراتها ومصالحها وإجراءاتها الدستورية.
وبذلك يصبح الدفاع المشترك التزامًا حقيقيًا، من دون أن يتحول إلى تنازل عن السيادة.
4 ـ مصر شريك في القيادة وليست مجرد العضو الرابع
إذا دخلت مصر الاتفاق، فلا ينبغي أن يكون كل ما تحصل عليه هو علم رابع أمام مقر التحالف.
النفوذ الحقيقي داخل التحالفات لا تحدده الصور البروتوكولية، وإنما تحدده ثلاثة أشياء: من يملك المعلومات؟ ومن يضع التقديرات؟ ومن يشارك في اتخاذ القرار؟
ولهذا يجب أن يكون لمصر موقع متكافئ في الهيكل الجديد.
يمكن أن تكون هناك أمانة عامة، ومجلس أعلى للدفاع، ولجنة لرؤساء الأركان، ومركز للإنذار المبكر، وآلية للتنسيق البحري، ومجلس للصناعات الدفاعية.
لكن هذه المؤسسات يجب أن توزع بين الدول الأربع.
فإذا كانت الأمانة العامة في السعودية، فمن الطبيعي أن تستضيف مصر، على سبيل المثال، مركزًا رئيسيًا لأمن البحر الأحمر والتنسيق البحري أو للإنذار المبكر والتخطيط الاستراتيجي.
كما ينبغي أن تكون المناصب القيادية بالتناوب.
فالهدف ليس أن تدخل مصر مؤسسة قائمة، بل أن تصبح واحدة من الدول التي تصنع عقل المؤسسة.
5 ـ التكنولوجيا والتصنيع هما المقابل الاستراتيجي
مصر ستقدم الكثير إلى الرباعية: جيشها، وموقعها، وقناة السويس، وامتدادها العربي والإفريقي، وقدرتها على التأثير في البحر الأحمر وشرق المتوسط.
فماذا تحصل في المقابل؟
هنا يجب ألا يكون التفكير المصري محصورًا في شراء السلاح أو الحصول على تسهيلات مالية.
المكسب الحقيقي هو نقل التكنولوجيا والتصنيع العسكري المشترك.
تركيا تمتلك خبرة متقدمة في عدد من الصناعات الدفاعية، والسعودية لديها قدرات تمويلية واستثمارية كبيرة، وباكستان لديها خبرة عسكرية وصناعية متراكمة، ومصر لديها قاعدة بشرية وصناعية وموقع يسمح بالإنتاج والتصدير.
الجمع بين هذه المزايا يمكن أن ينتج شيئًا أهم بكثير من صفقات السلاح التقليدية.
الهدف ليس أن تشتري مصر من شركائها، وإنما أن تصنع معهم.
مصانع مشتركة، ومراكز بحث وتطوير، وتدريب للمهندسين، ونقل للمعرفة الفنية، وسلاسل توريد موزعة بين الدول الأربع.
لأن التحالف الذي يجعل مصر أكثر اعتمادًا على الخارج ليس مكسبًا استراتيجيًا، أما التحالف الذي يزيد قدرتها على إنتاج احتياجاتها فهو مكسب يستحق الالتزام.
6 ـ الجغرافيا المصرية قوة تفاوضية وليست شيكًا على بياض
قناة السويس والبحر الأحمر وشرق المتوسط تجعل مصر إضافة يصعب تعويضها داخل أي منظومة دفاعية إقليمية.
لكن هذه الجغرافيا لا ينبغي أن تتحول إلى حق مفتوح للآخرين في استخدام الأراضي والموانئ والمجال الجوي المصري.
يمكن للرباعية أن تتعاون في حماية الملاحة، وتأمين البحر الأحمر، ومواجهة الهجمات على السفن، وتبادل المعلومات والإنذار المبكر، بل ويمكن أن تستضيف مصر مركزًا رئيسيًا لهذا التعاون.
لكن استخدام قاعدة مصرية، أو ميناء، أو المجال الجوي، أو تنفيذ عملية عسكرية انطلاقًا من الأراضي المصرية يجب أن يبقى خاضعًا لقرار القاهرة.
موقع مصر يجب أن يمنحها نفوذًا داخل التحالف، لا أن يحولها إلى منصة للعمليات.
وهذه النقطة ترتبط أيضًا بعلاقات الدول الأربع مع العالم الخارجي.
مصر لها مصالحها مع الهند وإسرائيل وإيران والقوى الكبرى. وتركيا عضو في الناتو. والسعودية لها علاقاتها الأمنية الواسعة. وباكستان لها حساباتها مع الصين والهند.
لذلك لا ينبغي أن تتحول الرباعية إلى محور سياسي يفرض على أعضائه موقفًا واحدًا من كل أزمة.
يكفي أن تتفق الدول الأربع على سؤال واحد: ما الخطر الذي سندافع أمامه عن بعضنا؟
أما بقية السياسة الخارجية، فيجب أن تظل وطنية.
7 ـ الدخول على مراحل.. لكن بهدف واضح
بعد كل ذلك يأتي السؤال العملي: كيف تبدأ مصر؟
في تقديري، الأفضل ألا تقفز مباشرة إلى العضوية الدفاعية الكاملة.
يمكن أن تبدأ كشريك استراتيجي، تشارك في الاجتماعات والمناورات والتدريب والتنسيق البحري والتصنيع والإنذار المبكر.
وهذه المرحلة ليست مجرد انتظار، بل اختبار.
فالتحالفات لا تُختبر عندما تتفق المصالح، وإنما عندما تختلف.
كيف تتصرف الدول الثلاث عندما تعترض مصر على قرار؟ هل تتعامل معها كشريك متكافئ؟ كيف يجري تبادل المعلومات؟ وهل توجد جدية فعلية في نقل التكنولوجيا؟ وهل تتحول المشروعات المشتركة إلى مصانع ومراكز حقيقية أم تبقى مذكرات تفاهم؟
إذا نجح الاختبار، تنتقل القاهرة إلى التفاوض على العضوية الكاملة.
لكن التدرج يجب أن يكون محدد المدة، لأن مصر لا تريد أن تدخل بعد سنوات إلى تحالف اكتملت مؤسساته وعقيدته، ثم تحاول تعديل ما صاغه الآخرون.
من سبع قواعد إلى سؤال واحد
يمكن في النهاية اختصار الموقف المصري كله في سبعة شروط:
نعرف أولًا ما الذي سنلتزم به.
نحمي الدستور وقرار الحرب.
لا نقبل حربًا بقرار الأغلبية.
ندخل شركاء في القيادة.
نحصل على التكنولوجيا لا السلاح فقط.
نستخدم الجغرافيا مصدرًا للنفوذ لا التزامًا مفتوحًا.
ونختبر الشراكة قبل العضوية الكاملة.
وبعد ذلك يبقى سؤال واحد:
هل يجعل الاتفاق مصر أقوى من دون أن يجعل قرارها أقل استقلالًا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الانتقال من الثلاثية إلى الرباعية يستحق الدراسة الجادة.
أما إذا كان المطلوب من مصر أن تقدم جيشها وموقعها وقناة السويس، ثم تجد نفسها مرتبطة بنزاعات لم تخترها وقرارات لم تتخذها، فإن المقعد الرابع لا يمثل مكسبًا.
ولهذا لا ينبغي أن تدخل مصر باعتبارها الدولة الرابعة التي لحقت بالثلاثة.
بل باعتبارها الدولة التي أدى دخولها إلى إعادة كتابة قواعد الأربعة.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة مصر.
فهي لا تحتاج إلى مقعد داخل اتفاق بقدر ما تحتاج إلى صوت في كتابة قواعده.
ولا تحتاج إلى تحالف يقرر بدلًا منها متى تحارب، بل إلى تحالف يجعلها أكثر قدرة عندما تقرر هي أن تدافع.
القاعدة المصرية إذن يمكن اختصارها في معادلة واحدة: قوة أكبر، وسيادة كاملة.
فإذا حققت الرباعية طرفي هذه المعادلة، يصبح الانضمام مكسبًا.
وإذا حققت الأول على حساب الثاني، فالأفضل أن تبقى مصر خارجها.