بعد سقوط صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤ دخل اليمن مرحلة لم تعد فيها الأزمة تدور حول مشاركة الحوثيين في السلطة، وإنما حول مصير السلطة نفسها.
وبحلول مطلع عام ٢٠١٥، انتقلت المواجهة مباشرة إلى مؤسسة الرئاسة.
يناير ٢٠١٥: سقوط مركز الدولة
تصاعد الخلاف بين الحوثيين والرئيس عبد ربه منصور هادي حول مشروع الدستور الجديد وترتيبات المرحلة الانتقالية.
وفي يناير ٢٠١٥ انفجرت المواجهة داخل العاصمة.
اندلع القتال بين الحوثيين وقوات الحرس الرئاسي، وفي ٢٠ يناير سيطر الحوثيون على القصر الرئاسي ومقر إقامة الرئيس، ووُضع هادي وعدد من كبار المسؤولين تحت الإقامة الجبرية.[١]
وبعد يومين فقط، في ٢٢ يناير، قدم هادي ورئيس الوزراء خالد بحاح والحكومة استقالاتهم.[١]
كانت هذه اللحظة أخطر كثيرًا من مجرد تغيير حكومي.
فالدولة التي فقدت السيطرة على العاصمة في العام السابق أصبحت الآن بلا رئاسة قادرة على ممارسة سلطاتها بصورة طبيعية، وبلا حكومة مستقرة، بينما أصبحت القوة المسلحة المسيطرة على صنعاء صاحبة اليد العليا في مؤسسات الدولة.
من السيطرة على الدولة إلى محاولة إعادة تشكيلها
في ٦ فبراير ٢٠١٥ أعلن الحوثيون ما سموه «الإعلان الدستوري».
وتضمن الإعلان حل مجلس النواب، وإنشاء مجلس وطني وترتيبات انتقالية جديدة، على أن تتولى اللجنة الثورية دورًا مركزيًا في إدارة المرحلة.
وهنا تغيرت طبيعة الأزمة.
لم يعد الأمر مجرد ضغط مسلح لفرض مطالب سياسية، وإنما محاولة لإنشاء نظام سياسي جديد خارج الترتيبات الانتقالية التي كانت قائمة.
رفض مجلس الأمن هذه الإجراءات، وفي قراره رقم ٢٢٠١ الصادر في ١٥ فبراير ٢٠١٥ طالب الحوثيين بالانسحاب من المؤسسات الحكومية والإفراج عن الرئيس هادي والمسؤولين الموضوعين تحت الإقامة الجبرية، والعودة إلى المفاوضات السياسية.[٢]
لكن الأحداث على الأرض كانت أسرع من المسار الدبلوماسي.
هادي يصل إلى عدن
في ٢١ فبراير تمكن هادي من مغادرة صنعاء والوصول إلى عدن.
ومن هناك أعلن عزمه على مواصلة ممارسة مهامه الرئاسية.[١]
وبهذا تغير المشهد اليمني مرة أخرى.
فصنعاء أصبحت تحت سلطة الأمر الواقع الجديدة، بينما بدأت عدن تتحول إلى مركز سياسي بديل تستند إليه السلطة المعترف بها دوليًا.
ولم يعد الصراع يدور فقط حول من يسيطر على مؤسسات العاصمة، بل أصبح هناك صراع على من يمثل الدولة اليمنية نفسها.
وكان السؤال الأخطر:
هل يستطيع هادي تثبيت سلطته في الجنوب؟
السباق نحو عدن
لم يترك خصوم هادي له وقتًا طويلًا لإعادة ترتيب صفوفه.
ففي مارس ٢٠١٥ بدأ الهجوم العسكري باتجاه الجنوب.
وتقدمت القوات المتحالفة مع الحوثيين نحو عدن، بينما تعرض القصر الرئاسي في المدينة في ١٩ مارس لهجوم جوي نُسب إلى قوات جوية موالية لمعسكر الحوثيين وصالح.[١]
وفي الأيام التالية تسارعت العمليات العسكرية بصورة شديدة.
كانت عدن تمثل في تلك اللحظة أكثر من مجرد مدينة جنوبية كبرى.
فهي أصبحت آخر مركز سياسي مهم يمارس هادي سلطاته منه.
ولو سقطت سريعًا، كان ميزان القوى داخل اليمن سيتغير بصورة حاسمة.
طلب التدخل الخارجي
في ٢٤ مارس ٢٠١٥ طلب الرئيس هادي من دول مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية تقديم المساندة لمواجهة التقدم العسكري، بما في ذلك التدخل العسكري.[١]
وأُبلغ مجلس الأمن بهذا الطلب.
هذه النقطة مهمة قانونيًا وسياسيًا.
فالدول التي شاركت لاحقًا في التدخل لم تقدم عملياتها باعتبارها غزوًا لدولة أجنبية، وإنما باعتبارها استجابة لطلب السلطة اليمنية التي كانت ما تزال تحظى بالاعتراف الدولي.
لكن ذلك لا يعني أن جميع المسائل القانونية المتعلقة بالتدخل كانت محسومة أو خالية من الجدل.
فهناك فرق بين الاعتراف الدولي بالحكومة، وحقها في طلب المساعدة، وبين تقييم كل عملية عسكرية لاحقة ومدى التزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني.
٢٦ مارس ٢٠١٥: بداية عاصفة الحزم
فجر ٢٦ مارس أعلنت المملكة العربية السعودية بدء عملية عسكرية في اليمن على رأس تحالف من عدة دول عربية.
وأخذت العملية اسم «عاصفة الحزم».
وسجلت الأمم المتحدة أن السعودية أعلنت بدء العمليات استجابة لطلب الحكومة اليمنية.[٣]
كانت هذه اللحظة هي الحد الفاصل الحقيقي بين مرحلتين من الصراع.
قبلها كان اليمن يعيش حربًا داخلية متسارعة تتداخل فيها القوى السياسية والعسكرية المحلية.
أما بعدها فأصبح النزاع جزءًا مباشرًا من التوازنات الإقليمية.
دخلت الطائرات السعودية والإماراتية وقوات دول أخرى على خط الحرب، وأصبحت المعركة اليمنية مرتبطة بحسابات الأمن الخليجي والتنافس الإقليمي وموقع اليمن الاستراتيجي.
لماذا تحركت السعودية؟
كانت الرياض تنظر إلى ما يجري باعتباره تهديدًا يتجاوز مستقبل الحكومة اليمنية.
فسيطرة الحوثيين على صنعاء ثم تقدمهم السريع نحو الجنوب كانت تعني احتمال بسط نفوذهم على الجزء الأكبر من اليمن.
ومن منظور الأمن السعودي، فإن ظهور سلطة مسلحة معادية أو غير مستقرة على حدود المملكة الجنوبية يمثل خطرًا مباشرًا.
كما أن موقع اليمن يمنحه أهمية استراتيجية استثنائية.
فالدولة تطل على البحر الأحمر وخليج عدن وتقع بجوار مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبذلك أصبح الصراع اليمني بالنسبة إلى السعودية مسألة أمن حدود وأمن بحري وتوازن إقليمي في الوقت نفسه.
القرار ٢٢١٦: ماذا قال فعلًا؟
بعد بدء العمليات العسكرية بنحو ثلاثة أسابيع، أصدر مجلس الأمن في ١٤ أبريل ٢٠١٥ القرار رقم ٢٢١٦.
وطالب القرار الحوثيين بوقف استخدام العنف، والانسحاب من المناطق التي استولوا عليها، بما فيها صنعاء، وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، ووقف الإجراءات التي تقع ضمن اختصاص الحكومة اليمنية.
كما توسع القرار في نظام العقوبات وحظر توريد الأسلحة إلى جهات وأشخاص محددين.
وصدر القرار بأغلبية أربعة عشر صوتًا مع امتناع روسيا عن التصويت.[٢]
وهنا توجد نقطة قانونية مهمة كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي:
القرار ٢٢١٦ لم يبدأ التدخل العسكري.
فالعمليات كانت قد بدأت منذ ٢٦ مارس، بينما صدر القرار في ١٤ أبريل.
كما أن القرار لم يتضمن تفويضًا صريحًا للتحالف باستخدام القوة العسكرية على غرار بعض القرارات الدولية التي أجازت استخدام «جميع الوسائل اللازمة».
ولذلك فإن الأساس الذي استند إليه التحالف عند بدء عملياته كان أساسًا طلب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا للمساعدة العسكرية.
أما القرار ٢٢١٦ فقد جاء لاحقًا ليحدد مطالب مجلس الأمن من الحوثيين ويعزز الإطار الدولي الداعم لعودة العملية السياسية ومؤسسات الدولة.
من حرب داخلية إلى حرب إقليمية
كان تدخل التحالف نقطة تحول تتجاوز البعد العسكري.
فحتى مارس ٢٠١٥ كان من الممكن النظر إلى الأزمة أساسًا باعتبارها صراعًا يمنيًا على السلطة، وإن كانت له امتدادات خارجية.
لكن بعد التدخل أصبحت أطراف إقليمية رئيسية تشارك مباشرة في الحرب.
وأصبحت كل جبهة داخل اليمن مرتبطة بحسابات أوسع.
السعودية أصبحت الطرف الخارجي الرئيسي الداعم للحكومة.
الإمارات أصبحت أحد أهم الشركاء العسكريين على الأرض.
والعلاقة بين الحوثيين وإيران ازدادت أهمية مع تطور الحرب.
وفي المقابل، ازداد اعتماد الأطراف اليمنية المختلفة على حلفائها الخارجيين.
وهكذا بدأ النزاع يفقد شيئًا من طبيعته المحلية البحتة ويتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع إقليمي.
لماذا لم تنته الحرب سريعًا؟
عند بداية «عاصفة الحزم» كان الفارق في القوة العسكرية والتقنية هائلًا.
امتلك التحالف طائرات حديثة، وقدرات استخباراتية وتسليحية ولوجستية لا يمكن مقارنتها بما كان متاحًا للحوثيين.
لكن الحرب اليمنية أثبتت سريعًا أن التفوق الجوي لا يعني السيطرة على الأرض.
فالضربات الجوية تستطيع تدمير مواقع ومخازن وتحركات عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها السيطرة على المدن والجبال والطرق أو إنشاء سلطة سياسية مستقرة.
كما أن انهيار أجزاء واسعة من الجيش اليمني والدولة جعل خريطة القتال شديدة التعقيد.
لم تكن هناك جبهة واحدة واضحة يمكن كسرها ثم إعلان نهاية الحرب.
كانت هناك مدن وقبائل ووحدات عسكرية وقوى محلية وتنظيمات مسلحة، لكل منها حساباته وتحالفاته.
عدن لا تسقط… لكن صنعاء لا تعود
خلال الشهور التالية تمكنت القوات المناهضة للحوثيين، بدعم من التحالف، من استعادة عدن ومناطق أخرى في الجنوب.
وبذلك فشل الهجوم الذي كان يستهدف القضاء على مركز سلطة هادي هناك.
لكن النجاح في الجنوب لم يؤد إلى الهدف الأكبر:
استعادة صنعاء.
بقي الحوثيون مسيطرين على العاصمة وعلى الجزء الأكبر من مناطق نفوذهم في الشمال.
وهنا بدأت ملامح المأزق تظهر.
التحالف نجح في منع خصومه من السيطرة على اليمن كله.
لكنه لم ينجح في إنهاء سيطرتهم على صنعاء.
وفي المقابل، استطاع الحوثيون البقاء في مواجهة حملة عسكرية ضخمة، لكنهم لم يستطيعوا السيطرة على البلاد كلها.
وبذلك نشأ نوع من التوازن العسكري غير المستقر.
لا أحد يستطيع الحسم.
ولا أحد يريد التراجع.
بداية حرب الاستنزاف
ما كان يُتصور في البداية أنه عملية عسكرية محدودة بدأ يتحول إلى حرب طويلة.
ومع استمرار القتال تراجعت مؤسسات الدولة أكثر، وانهارت أجزاء واسعة من الاقتصاد والخدمات العامة، واتسعت الكارثة الإنسانية.
كما وفرت الفوضى مساحة إضافية لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب وغيره من التنظيمات المسلحة التي استغلت انهيار السلطة في مناطق مختلفة من البلاد.
وهكذا بدأت الحرب تخلق صراعات جديدة إلى جانب الصراع الأصلي.
لم يعد اليمن منقسمًا فقط بين الحوثيين والحكومة.
فالجنوب نفسه لم يكن كتلة سياسية واحدة.
ومع مرور الوقت ستظهر قوى جديدة، وتصبح الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين مشكلة بحد ذاتها.
الحرب التي لم يعد أحد يسيطر على مسارها
بحلول نهاية عام ٢٠١٥ كان واضحًا أن الصراع دخل مرحلة مختلفة تمامًا.
فالتدخل العسكري أوقف التقدم الحوثي نحو السيطرة على اليمن كله، لكنه لم يُعد الحكومة إلى صنعاء.
والحوثيون نجحوا في الاحتفاظ بالعاصمة، لكنهم وجدوا أنفسهم في حرب مفتوحة مع تحالف إقليمي أقوى منهم كثيرًا.
أما الدولة اليمنية نفسها، فقد أصبحت أضعف من جميع الأطراف التي تتقاتل باسمها.
وهذه هي المفارقة الكبرى في تلك المرحلة:
كل طرف دخل الحرب معتقدًا أنه يستطيع فرض نهاية سياسية لها، لكن الحرب نفسها بدأت تعيد تشكيل جميع الأطراف.
ومع امتداد النزاع، ستظهر خلافات داخل التحالف العربي، وستصعد قوى جنوبية جديدة، وسيزداد تعقيد العلاقة بين الحوثيين وإيران.
وفي صنعاء نفسها كان هناك صراع آخر ينمو في صمت.
فالتحالف بين الحوثيين وعلي عبدالله صالح، الذي ساعد على قلب موازين القوة في اليمن، لم يكن قادرًا على الاستمرار إلى الأبد.
كان الطرفان قد احتاج أحدهما إلى الآخر في مرحلة الصعود.
لكن بعد تثبيت السيطرة على صنعاء بدأ كل منهما يتساءل:
من يحتاج الآخر الآن؟
وفي عام ٢٠١٧ ستأتي الإجابة بصورة دموية.
يتبع…
الجزء الرابع: من عاصفة الحزم إلى مقتل صالح — لماذا فشل الحسم العسكري وكيف انقلب الحوثيون على حليفهم؟
المراجع
[١] الأمم المتحدة في اليمن، تقرير فريق الخبراء البارزين بشأن حالة حقوق الإنسان في اليمن، ويتضمن التسلسل الزمني لأحداث يناير ومغادرة هادي صنعاء والهجوم على الجنوب وطلب التدخل في مارس ٢٠١٥.
[٢] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القراران رقما ٢٢٠١ و٢٢١٦ لسنة ٢٠١٥ بشأن اليمن.
[٣] الأمم المتحدة، بيان الأمين العام بشأن بدء العمليات العسكرية في اليمن في ٢٦ مارس ٢٠١٥.