سياسة

اليمن والحوثيون: من تمرد صعدة إلى صراع البحر الأحمر الجزء الخامس: اليمن المنقسم — الحكومة والمجلس الانتقالي والحوثيون من اتفاق الرياض إلى هدنة ٢٠٢٢ بقلم د. وليد العزبي

October 3, 2026 admin لا توجد تعليقات

بحلول عام ٢٠١٩، لم تعد الأزمة اليمنية مجرد مواجهة بين الحوثيين من جهة، والحكومة المعترف بها دوليًا والتحالف بقيادة السعودية من جهة أخرى.

فداخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه، ظهرت انقسامات عميقة حول سؤال أساسي:

هل الهدف هو استعادة دولة يمنية موحدة؟

أم أن الحرب ستنتهي بإعادة تشكيل اليمن على أسس سياسية جديدة، قد يكون من بينها عودة دولة مستقلة في الجنوب؟

ومن هنا دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيدًا.

فإلى جانب الحوثيين الذين رسخوا سيطرتهم على صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن، كانت هناك الحكومة المعترف بها دوليًا، وفي الجنوب برز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه قوة سياسية وعسكرية تحمل مشروعًا مختلفًا لمستقبل الدولة.

وبذلك لم يعد الصراع متعلقًا فقط بمن يحكم اليمن.

بل أصبح متعلقًا أيضًا بالسؤال الأصعب:

أي يمن سيبقى بعد الحرب؟

الجنوب يعود إلى قلب الأزمة

القضية الجنوبية ليست وليدة الحرب الحالية.

فجنوب اليمن كان دولة مستقلة حتى إعلان الوحدة مع الجمهورية العربية اليمنية في مايو ١٩٩٠.

لكن الوحدة سرعان ما تعرضت لاختبارات صعبة، وانتهت الخلافات السياسية والعسكرية إلى حرب عام ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار القوات الموالية للرئيس علي عبدالله صالح وفشل محاولة الانفصال.

غير أن انتهاء الحرب لم ينهِ الشعور بالاحتقان في الجنوب.

وخلال السنوات التالية تصاعدت شكاوى تتعلق بالتهميش السياسي والاقتصادي، والإقصاء من مؤسسات الدولة، وتسريح عسكريين وموظفين جنوبيين.

ومن هذه البيئة ظهر لاحقًا الحراك الجنوبي، ثم عادت القضية الجنوبية بقوة أكبر مع انهيار مؤسسات الدولة بعد عام ٢٠١١ واندلاع الحرب في عام ٢٠١٥.

وفي الحادي عشر من مايو ٢٠١٧ أُعلن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة عيدروس الزبيدي، متبنيًا مشروع استعادة الدولة الجنوبية السابقة.[١]

وهنا ظهرت مشكلة استراتيجية داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

فالمجلس الانتقالي كان يقاتل الحوثيين، لكنه لم يكن يتفق مع الحكومة التي يفترض أنه يقاتل إلى جانبها على شكل الدولة التي ينبغي أن تخرج من الحرب.

الحكومة تتمسك رسميًا بوحدة اليمن.

أما المجلس الانتقالي فيضع قضية استعادة دولة الجنوب في صميم مشروعه السياسي.

السعودية والإمارات: تحالف واحد وأولويات غير متطابقة

كانت السعودية والإمارات ركيزتين أساسيتين في التحالف العربي الذي تدخل في اليمن عام ٢٠١٥.

لكن تطورات الحرب كشفت تدريجيًا عن اختلاف في بعض الأولويات والأدوات.

فالسعودية ظلت الراعي الإقليمي الرئيسي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتمسكت رسميًا بوحدة اليمن وسيادته ومؤسساته.

وفي المقابل، دعمت الإمارات تشكيلات عسكرية وأمنية جنوبية، من بينها قوات ارتبط بعضها بالمجلس الانتقالي الجنوبي.[١]

ولا يعني ذلك أن الرياض وأبوظبي أصبحتا خصمين في اليمن، فقد استمر تعاونهما في ملفات عديدة.

لكن اختلاف القوى المحلية التي دعمتها كل دولة ساهم في زيادة تعقيد المشهد.

وهكذا أصبح المعسكر المناهض للحوثيين يضم قوى قد تتعاون في جبهة، ثم تختلف أو تتقاتل في جبهة أخرى.

وكان لذلك أثر مباشر في قدرة هذا المعسكر على تشكيل قيادة سياسية وعسكرية موحدة.

٢٠١٩: المجلس الانتقالي يسيطر على عدن

في أغسطس ٢٠١٩ انفجرت التناقضات داخل المعسكر المناهض للحوثيين بصورة علنية.

اندلعت مواجهات عنيفة في عدن بين قوات موالية للحكومة وقوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي.

وفي العاشر من أغسطس تمكن المجلس الانتقالي من إحكام سيطرته على معظم عدن، بما في ذلك مواقع ومؤسسات حكومية مهمة.[١]

وهنا ظهرت واحدة من أكثر مفارقات الحرب اليمنية وضوحًا.

صنعاء، العاصمة الدستورية للبلاد، كانت تحت سيطرة الحوثيين.

وعدن، التي اتخذتها الحكومة عاصمة مؤقتة، أصبحت هي الأخرى تحت سيطرة قوة تختلف مع الحكومة بشأن مستقبل الدولة.

وبذلك أصبحت الحكومة المعترف بها دوليًا تواجه أزمتين في وقت واحد:

الحوثيين في الشمال.

وانقسامًا داخل المعسكر المناهض لهم في الجنوب.

ولم يعد استمرار هذا الوضع يهدد الحكومة وحدها.

بل كان يهدد أيضًا الاستراتيجية الكاملة للتحالف في اليمن.

اتفاق الرياض

أدركت السعودية أن استمرار المواجهة بين الحكومة والمجلس الانتقالي يعني استنزاف القوى التي يفترض أنها تواجه الحوثيين.

ولذلك قادت وساطة بين الطرفين انتهت في الخامس من نوفمبر ٢٠١٩ بتوقيع اتفاق الرياض.

ورحب مجلس الأمن بالاتفاق، واعتبره خطوة إيجابية ومهمة نحو حل سياسي شامل في اليمن.[٢]

وكان الاتفاق يقوم على فكرة أساسية:

إعادة جمع القوى المناهضة للحوثيين داخل إطار سياسي وعسكري واحد.

فنص على ترتيبات سياسية وأمنية وعسكرية، من بينها تشكيل حكومة لا يزيد عدد أعضائها على أربعة وعشرين وزيرًا، وإعادة تنظيم القوات العسكرية تحت وزارة الدفاع والقوات الأمنية تحت وزارة الداخلية، وإشراك المجلس الانتقالي في وفد الحكومة في أي مفاوضات تتعلق بالتسوية النهائية.[٢]

لكن الاتفاق لم يُنفذ بالسرعة التي كان مخططًا لها.

واستمرت الخلافات والتوترات على الأرض لأشهر.

وفي ديسمبر ٢٠٢٠ أُعلن تشكيل الحكومة الجديدة من أربعة وعشرين وزيرًا، بمشاركة المجلس الانتقالي ومكونات سياسية أخرى، في خطوة اعتبرتها الأمم المتحدة تقدمًا في تنفيذ اتفاق الرياض.[٢]

لماذا لم يحل اتفاق الرياض المشكلة؟

لأن الأزمة لم تكن مجرد خلاف على الحقائب الوزارية أو المناصب.

كانت هناك رؤيتان مختلفتان لمستقبل اليمن نفسه.

الحكومة تتمسك رسميًا بوحدة الدولة.

أما المجلس الانتقالي فيرى أن القضية الجنوبية لا يمكن تسويتها من دون تقرير مستقبل الجنوب واستعادة دولته وفق مشروعه السياسي.

وكان هناك أيضًا عامل آخر لا يقل أهمية.

السلاح.

فالقوى اليمنية المختلفة لم تدخل العملية السياسية باعتبارها أحزابًا مدنية فقط.

كل طرف تقريبًا كان يمتلك تشكيلاته المسلحة وقادته ومناطق نفوذه.

ولهذا كان دمج القوات تحت قيادة عسكرية وأمنية موحدة أكثر تعقيدًا بكثير من الاتفاق على تشكيل حكومة.

وهكذا بقي اليمن في وضع غريب:

حكومة واحدة من الناحية الرسمية.

لكن مراكز متعددة للقوة على الأرض.

الحوثيون يستفيدون من انقسام خصومهم

في الوقت الذي كانت فيه الخلافات تتكرر داخل المعسكر المناهض للحوثيين، حافظ الحوثيون على درجة أعلى من مركزية القيادة داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وهذه نقطة مهمة لفهم توازن القوة خلال تلك المرحلة.

فالمشكلة لم تكن دائمًا نقص القوة العسكرية لدى خصوم الحوثيين.

بل كانت أيضًا غياب القيادة السياسية والعسكرية الموحدة.

الحكومة لديها قوات.

والمجلس الانتقالي لديه قوات.

وطارق صالح أصبح يمتلك قوة عسكرية مؤثرة على الساحل الغربي.

كما كانت هناك تشكيلات محلية وقبلية وعسكرية أخرى ذات ولاءات وهياكل قيادة مختلفة.

أما الحوثيون فتمكنوا، بعد التخلص من مركز القوة الذي كان يمثله علي عبدالله صالح عام ٢٠١٧، من تركيز القرار السياسي والأمني والعسكري بدرجة أكبر داخل مناطق سيطرتهم.

ومن ثم منح انقسام خصومهم الجماعة مساحة أكبر للمناورة والاستمرار.

مأرب تصبح خط المواجهة الجديد

بعد تراجع حدة القتال حول الحديدة عقب اتفاق ستوكهولم، انتقل جزء كبير من الثقل العسكري إلى مأرب.

ومأرب لم تكن مجرد مدينة أو محافظة أخرى في الحرب.

فهي منطقة ذات أهمية اقتصادية كبيرة لارتباطها بموارد النفط والغاز والبنية الأساسية للطاقة، كما أصبحت أحد أهم معاقل الحكومة في شمال اليمن، واستقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين.

ومنذ مطلع عام ٢٠٢٠ كثف الحوثيون عملياتهم العسكرية باتجاه مأرب، ووصلت المواجهات إلى مستويات شديدة الخطورة خلال عام ٢٠٢١.

وحذرت الأمم المتحدة مرارًا من أن الهجوم على مأرب يهدد أعدادًا كبيرة من المدنيين والنازحين، وأن استمرار محاولة تحقيق مكاسب إقليمية بالقوة يعرقل فرص التسوية السياسية.[٣]

وكان سقوط مأرب، لو حدث، سيغير ميزان القوة بصورة كبيرة في شمال اليمن.

ولهذا تحولت المحافظة إلى واحدة من أهم ساحات الحرب خلال تلك المرحلة.

الحرب تعبر الحدود

بالتوازي مع معارك مأرب، استمرت الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الأراضي السعودية.

واستُهدفت مطارات ومواقع ومنشآت داخل المملكة في مراحل مختلفة من الحرب.

وهكذا أصبحت الحرب أكثر تكلفة من منظور الأمن السعودي.

فالمسألة لم تعد فقط منع الحوثيين من السيطرة على كامل اليمن.

بل أصبحت مرتبطة مباشرة بحماية الحدود والمدن والمنشآت السعودية من الهجمات العابرة للحدود.

وكان لهذا التحول أثر مهم على الحسابات الاستراتيجية للحرب.

لا أحد يستطيع الحسم

بعد سنوات من القتال، أصبحت حدود القوة لدى كل طرف أكثر وضوحًا.

التحالف لم يتمكن من إعادة الحكومة إلى صنعاء.

والحوثيون لم يتمكنوا من السيطرة على كامل اليمن.

والحكومة لم تستطع توحيد جميع القوى المناهضة للحوثيين تحت قيادة عسكرية وسياسية واحدة.

وفي الوقت نفسه كانت الكلفة الاقتصادية والإنسانية للحرب تتزايد.

تراجعت مؤسسات الدولة.

انخفضت قيمة العملة في مناطق عديدة.

تضررت الخدمات العامة.

وتحول ملايين اليمنيين إلى الاعتماد بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية.

وبدأت الحقيقة التي ظهرت منذ السنوات الأولى للحرب تصبح أكثر وضوحًا:

لا يوجد طريق سهل إلى نصر عسكري كامل.

السعودية تعيد ترتيب أولوياتها

مع استمرار الحرب، بدأت الأولويات السعودية تتطور.

فعند بدء التدخل العسكري في مارس ٢٠١٥ كان الهدف المعلن هو دعم الحكومة المعترف بها دوليًا وإعادة مؤسسات الدولة التي سيطر عليها الحوثيون.

لكن بعد سنوات من الحرب أصبح واضحًا أن إنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء بالقوة العسكرية وحدها شديد الصعوبة.

وفي الوقت نفسه أصبحت الجماعة تمتلك قدرة متزايدة على تهديد الأراضي السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ومن هنا اكتسبت ملفات أخرى أهمية متزايدة:

وقف الهجمات العابرة للحدود.

تأمين الحدود السعودية.

تقليل الكلفة العسكرية والسياسية للحرب.

والوصول إلى ترتيبات يمكن أن تمنع تحول اليمن إلى مصدر دائم للتهديد.

وبالتدريج أصبح التفاوض جزءًا أكثر أهمية من الحسابات الإقليمية، مع دور متزايد للوساطة العُمانية وقنوات الاتصال السياسية.

لم يكن ذلك يعني اختفاء الخلاف بين السعودية والحوثيين.

لكنه كان يعني أن الحرب بدأت تنتقل من سؤال:

كيف يمكن تحقيق الحسم؟

إلى سؤال آخر:

كيف يمكن الوصول إلى تسوية قابلة للاستمرار؟

٢٠٢٢: العام الذي غيّر شكل الحرب

في أبريل ٢٠٢٢ وقع تطوران مهمان خلال أيام قليلة.

الأول كان التوصل إلى هدنة برعاية الأمم المتحدة.

والثاني كان إعادة تشكيل قيادة الحكومة اليمنية.

وكان اجتماع الحدثين إشارة واضحة إلى أن الصراع يدخل مرحلة جديدة.

هادي ينقل سلطاته

في السابع من أبريل ٢٠٢٢ أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي نقل كامل صلاحياته بصورة لا رجعة فيها إلى مجلس جديد حمل اسم مجلس القيادة الرئاسي.

وترأس المجلس رشاد العليمي، وضم ثمانية أعضاء يمثلون اتجاهات وقوى مختلفة داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

ومن بينهم عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وطارق صالح، الذي أصبح يقود قوة عسكرية مهمة في الساحل الغربي.

ورحب مجلس الأمن بتشكيل المجلس، معتبرًا أنه يعكس طيفًا أوسع من القوى السياسية اليمنية، وأعرب عن أمله في أن يسهم ذلك في تحقيق الاستقرار والوصول إلى تسوية سياسية يقودها اليمنيون تحت رعاية الأمم المتحدة.[٣]

وكانت الفكرة واضحة.

بدل أن تبقى السلطة المعترف بها دوليًا مرتبطة بشخص الرئيس هادي، جرى إنشاء قيادة جماعية تضم أبرز القوى المناهضة للحوثيين.

هل وحّد مجلس القيادة المعسكر المناهض للحوثيين؟

إلى حد ما، لكنه لم يلغِ التناقضات الموجودة داخله.

فالمجلس جمع قوى كانت بينها خلافات سياسية وعسكرية عميقة.

بعضها يتمسك بوحدة اليمن.

وبعضها يحمل مشروعًا لاستعادة دولة الجنوب.

وبعضها يمتلك تشكيلات عسكرية مستقلة نسبيًا عن بقية أعضاء المجلس.

ولذلك يمكن النظر إلى مجلس القيادة الرئاسي باعتباره محاولة لإنشاء إطار قادر على إدارة الانقسام أكثر من كونه إعلانًا عن انتهائه.

وقد كانت هذه إحدى السمات الأساسية لليمن في تلك المرحلة:

التحالفات موجودة.

لكن مراكز القوة بقيت متعددة.

هدنة أبريل ٢٠٢٢

قبل تشكيل مجلس القيادة بأيام، حدث التطور الأهم على الجبهة العسكرية.

ففي الثاني من أبريل ٢٠٢٢ دخلت حيز التنفيذ هدنة لمدة شهرين توسطت فيها الأمم المتحدة.

وافق أطراف النزاع على وقف العمليات العسكرية الهجومية البرية والجوية والبحرية داخل اليمن وعبر حدوده.

كما تضمنت الهدنة السماح بدخول عدد من سفن الوقود إلى موانئ الحديدة، واستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء إلى وجهات محددة، وبدء محادثات لفتح الطرق في تعز ومحافظات أخرى.[٣]

وكانت تلك أول فرصة منذ سنوات لخفض واسع ومستمر نسبيًا في مستوى العنف.

الهدنة تستمر ستة أشهر

في الثاني من يونيو جرى تمديد الهدنة شهرين إضافيين.

ثم جُددت مرة ثانية من الثاني من أغسطس حتى الثاني من أكتوبر ٢٠٢٢.[٣]

وخلال هذه الفترة سجلت الأمم المتحدة انخفاضًا ملحوظًا في مستوى العنف وسقوط الضحايا المدنيين، وزيادة في تدفق الوقود عبر ميناء الحديدة، واستئناف الرحلات التجارية الدولية من صنعاء للمرة الأولى منذ ما يقارب ست سنوات.[٣]

وبحلول نهاية سبتمبر كانت الأمم المتحدة تصف الأشهر الستة السابقة بأنها أطول فترة من الهدوء النسبي في اليمن منذ بداية الحرب.[٣]

وهذا تطور بالغ الأهمية.

فبعد سبع سنوات من المعارك المتواصلة، ظهر للمرة الأولى نموذج يمكن فيه خفض التصعيد بصورة واسعة من دون التوصل إلى اتفاق سلام شامل.

انتهت الهدنة رسميًا… لكن الحرب لم تعد كما كانت

في الثاني من أكتوبر ٢٠٢٢ انتهت المدة الرسمية للهدنة من دون اتفاق على تمديد جديد.

لكن ما حدث بعد ذلك كان لافتًا.

لم تعد الجبهات إلى مستوى الحرب الواسعة التي سبقت أبريل ٢٠٢٢.

واستمر قدر كبير من الهدوء النسبي، حتى إن تقارير الأمم المتحدة استخدمت لاحقًا تعبير الهدنة الفعلية لوصف الوضع الذي أعقب انتهاء الاتفاق الرسمي.

وهكذا دخل اليمن في حالة جديدة:

لا حرب شاملة… ولا سلام شامل.

وهذه الحالة ستصبح مفتاحًا لفهم كل ما جرى بعد ذلك.

ما الذي تغير؟

في عام ٢٠١٥ كان السؤال الرئيسي:

هل يستطيع الحوثيون الصمود أمام تدخل عسكري تقوده أكبر قوة إقليمية مجاورة لليمن؟

أما بحلول عام ٢٠٢٢، فقد أصبح السؤال مختلفًا:

كيف يمكن بناء تسوية سياسية في بلد أصبح الحوثيون يسيطرون فيه على صنعاء ومناطق واسعة من الشمال؟

وهذه نقلة استراتيجية كبيرة.

فالجماعة التي دخلت صنعاء بالقوة عام ٢٠١٤ أصبحت بعد ثماني سنوات سلطة أمر واقع لا يمكن تجاهلها في أي تسوية مستقبلية.

لكن ذلك لم يكن يعني أن الحرب انتهت، أو أن الوضع السياسي الذي فرضته القوة أصبح تسوية نهائية معترفًا بها.

فالفرق كبير بين وجود سلطة أمر واقع وبين الوصول إلى اتفاق سياسي يحدد مستقبل الدولة اليمنية.

وهذا الاتفاق لم يتحقق.

اليمن يبقى منقسمًا

هدنة ٢٠٢٢ خففت القتال.

لكنها لم تعالج جوهر الأزمة.

الحوثيون ظلوا يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة من الشمال.

ومجلس القيادة الرئاسي أصبح الإطار الذي يمثل الحكومة المعترف بها دوليًا.

والمجلس الانتقالي الجنوبي بقي داخل هذا المجلس، لكنه لم يتخلَّ عن مشروعه السياسي الخاص بالجنوب.

والقوات المسلحة والأمنية بقيت موزعة بين تشكيلات متعددة ومراكز قيادة مختلفة.

وهكذا وصلت الحرب إلى مفارقة جديدة.

في السنوات الأولى كان الخوف من أن يسيطر طرف واحد على اليمن بالقوة.

أما بحلول عام ٢٠٢٢، فقد أصبح الخوف من أن يتحول الانقسام المؤقت الذي صنعته الحرب إلى واقع سياسي دائم.

لكن المنطقة كانت على وشك أن تتغير

كان من الممكن أن تمثل هدنة ٢٠٢٢ بداية طريق طويل نحو تسوية سياسية.

وبالفعل استمرت الجهود والوساطات والاتصالات خلال الفترة التالية.

لكن البيئة الإقليمية نفسها بدأت تتغير.

تقاربت السعودية وإيران دبلوماسيًا.

وتقدمت الاتصالات المتعلقة بالملف اليمني.

ثم اندلعت حرب غزة في أكتوبر ٢٠٢٣.

ومن هنا اتخذ الصراع مسارًا لم يكن موجودًا في بداية الحرب اليمنية.

فالحوثيون، الذين ظلوا لسنوات طرفًا رئيسيًا في صراع داخلي وإقليمي مركزه اليمن والسعودية، بدأوا يدخلون بصورة مباشرة في أزمة الملاحة في البحر الأحمر.

وأصبح باب المندب والبحر الأحمر جزءًا من المعادلة.

ثم دخلت الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل بدرجات وأشكال مختلفة في المواجهة المرتبطة بالحوثيين.

وهكذا انتقلت الجماعة إلى مرحلة جديدة تمامًا.

من حركة خرجت من جبال صعدة.

إلى قوة سيطرت على صنعاء.

ثم إلى طرف صمد في حرب إقليمية طويلة.

ثم إلى لاعب أصبحت تحركاته تؤثر في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وهنا نصل إلى الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة.

يتبع…

الجزء السادس والأخير:

من صنعاء إلى البحر الأحمر — كيف تحول الحوثيون إلى لاعب إقليمي، وما موقع السعودية وإيران واليمن في معادلة ٢٠٢٦؟

المراجع

[١] الأمم المتحدة، تقارير فريق الخبراء وتقارير فريق الخبراء الدوليين بشأن اليمن، حول تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي وتطور نفوذه في الجنوب والأحداث التي شهدتها عدن عام ٢٠١٩ ودعم التشكيلات العسكرية الجنوبية.

[٢] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بيان السادس من نوفمبر ٢٠١٩ بشأن اتفاق الرياض؛ والأمم المتحدة، بيان المبعوث الخاص بشأن تنفيذ اتفاق الرياض وتشكيل الحكومة الجديدة في ديسمبر ٢٠٢٠.

[٣] الأمم المتحدة ومكتب المبعوث الخاص للأمين العام إلى اليمن، إحاطات مجلس الأمن بشأن معارك مأرب وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي؛ ونصوص وبيانات هدنة أبريل ٢٠٢٢ وتجديدها مرتين حتى الثاني من أكتوبر ٢٠٢٢.

المقال التالي ← → المقال السابق